ساهم الإعلام البديل أو ما يعرف بالمواطن الصحفي الذي بدأ بالظهور مع اندلاع الثورة السورية عام 2011، في نقل الحقيقة وما يجري على الأرض وكسر هيمنة إعلام النظام البائد واحتكار المعلومة وتزييف الحقائق.
مع انطلاق المظاهرات؛ لجأ ناشطون ومواطنون صحفيون إلى استخدام الهاتف المحمول بشكله البسيط آنذاك، لتوثيق الأحداث ونشرها على منصات التواصل الاجتماعي بشكل مباشر من الميدان وإيصالها إلى الرأي العام المحلي والدولي.
إعلام الثورة في مواجهة توحش النظام
تحدث الناشط الصحفي فادي الكرزي في تصريح خاص لموقع الإخبارية، عن بدايات العمل الإعلامي مع انطلاق الثورة السورية، وأوضح أن الرغبة في التغيير بدأت مع انطلاق الربيع العربي وما شهدته بعض الدول، الأمر الذي دفعه لتأسيس منصة “ثورة أحفاد أبي العلاء المعري” على فيسبوك، والتنسيق المسبق مع وسائل إعلام معارضة.
ويستذكر الكرزي اللحظات الأولى للحراك السلمي في عام 2011، حيث قدم أول مداخلة هاتفية لنقل صورة الاحتجاجات في مدينة معرة النعمان بريف إدلب الجنوبي.
وأوضح أن وسيلة توثيق اللحظات الأولى كانت استخدام هاتف “نوكيا N 73” لتصوير المظاهرات، ورفع المقاطع على منصة يوتيوب عبر الإنترنت الأرضي الذي لم يكن بالمستوى المطلوب.
وأشار الكرزي إلى أنه عمل في تلك الفترة على تغطية الأحداث المفصلية مثل الحراك السلمي وتشييع الشهداء وأولى الانشقاقات العسكرية.
الإعلام كخيار استراتيجي
أكد الكرزي في حديثه لموقع الإخبارية، أن توجهه للصحافة نابع من إدراك عميق بأن الكلمة والصورة هما السلاح الأكثر تأثيراً في مواجهة النظام البائد، وفي هذا الصدد يقول: “أدركت أن الإعلام هو السلاح الذي يقتل النظام ويعريه أمام العالم فاخترت أن أكون صحفياً لنقل الحقيقة كواجب وطني”.
تحديات الميدان واختراق الحصار
وصف الكرزي العمل الإعلامي في تلك الفترة بأنه كان “سيراً في حقل ألغام”، نتيجة الملاحقة الأمنية وانتشار المخبرين وسهولة تحديد الهويات بسبب قلة عدد الصحفيين آنذاك، والحصار التقني ومحاولات النظام المتكررة لقطع الكهرباء والاتصالات والإنترنت لعزل السوريين عن العالم.
وشدد على أن هذا الإعلام ورغم حداثة عهده وإمكاناته المتواضعة، نجح في كسر العزلة خاصة مع دخول أجهزة “الثريا” الفضائية وفتح القنوات العربية والدولية منصاتها أمام الأخبار القادمة من الداخل السوري، مما وجه ضربة قاصمة لرواية النظام البائد المزيفة.
وأسهم انتشار الإعلام البديل في ظهور مبادرات إعلامية محلية مثل التنسيقيات الإعلامية والمواقع الإلكترونية والصحف والإذاعات المحلية، إضافة إلى تأسيس اتحادات ونقابات إعلامية هدفت إلى تنظيم العمل الإعلامي وتطوير آليات التوثيق وجمع المعلومات حول الانتهاكات والأحداث.
وفي هذا السياق، أشار تقرير صادر عام 2025 عن الشبكة السورية لحقوق الإنسان، إلى أن التغطية الإعلامية للثورة السورية تطلبت جهوداً كبيرة من النشطاء والصحفيين الميدانيين، حيث جرى توثيق أكثر من 700 ضحية في أحداث مختلفة، سقط معظمهم على يد قوات النظام البائد، إضافة إلى وجود عدد من المفقودين والمعتقلين.
تصاعد استهداف الإعلاميين
واجه النظام البائد العمل الإعلامي منذ بداية الحراك الشعبي بحملات قمع واسعة، وعمل على حظر وسائل الإعلام العربية والدولية، واعتمد على بث الروايات الدعائية، في حين لجأ الناشطون إلى وسائل التواصل الاجتماعي والإعلام البديل لنقل الوقائع والأحداث.
استهدف النظام البائد النشطاء الإعلاميين بالقتل والاعتقال والتعذيب بهدف السيطرة على الفضاء الإعلامي، حيث وثقت منظمات حقوقية مقتل 526 ناشطاً إعلامياً وصحفياً منذ بداية الحراك الثوري، إضافة إلى استمرار اعتقال وإخفاء قسري لـ349 إعلامياً، بينهم 38 قضوا تحت التعذيب في أقبية النظام البائد.
تصاعد الانتهاكات بحق الإعلاميين
تصاعدت الانتهاكات بحق الإعلاميين ولجأ الكثير من الإعلاميين إلى التخفي واستخدام أسماء مستعارة أو النزوح والهجرة حفاظاً على حياتهم، في حين وثقت حالات قتل لإعلاميين أثناء تصويرهم الأحداث، أو لحظة تعرضهم للقصف أو إطلاق النار، إلى جانب الضربات الجوية الروسية التي بدأت مع تدخلها في عام 2015.
الإعلام الدولي ونقل الوقائع
أظهرت البيانات الحقوقية أن قوات النظام البائد مسؤولة عن نحو 91% من الانتهاكات المرتكبة بحق الإعلاميين خلال سنوات الثورة، وتعاونت وسائل إعلام عربية ودولية مع ناشطين إعلاميين سوريين للحصول على مواد مصورة من داخل البلاد، خصوصاً بعد منع مراسليها الأجانب من دخول سوريا، حيث زودهم الناشطون بالمعلومات والصور من قلب الحدث مقابل أجور محدودة وفي ظروف خطرة في سبيل إيصال الحقيقة.
وأكدت الوقائع أن الصحفيين والنشطاء الإعلاميين في سوريا لعبوا دوراً أساسياً في توثيق الانتهاكات ونقل الحقيقة إلى العالم، رغم المخاطر الكبيرة التي واجهوها وعدد الشهداء الذين سقطوا خلال سنوات الثورة.

