الثلاثاء 1 رمضان 1447 هـ – 17 شباط 2026

الشبكة السورية لحقوق الإنسان تصدر تقريراً حول “الفروغ” الخاصة بالعقارات التجارية

الشَّبكة السورية لحقوق الإنسان تصدر تقريراً حول ظاهرة "الفروغ" الخاصة بالمحال والعقارات التجارية

أصدرت الشبكة السورية لحقوق الإنسان تقريراً جديداً تناول ظاهرة «الفروغ» الخاصة بالمحال والعقارات التجارية في سوريا.

وتلقت الإخبارية نسخة من التقرير الذي حمل عنوان: «الفروغ في المتاجر السورية: معالجة إرث التمديد الحكمي ضمن إطار العدالة الانتقالية لحقوق السكن والأرض والملكية».

وبين التقرير أن ظاهرة “الفروغ” هي نتيجة مباشرة لاختلال بنيوي في قوانين الإيجار الاستثنائية منذ منتصف القرن العشرين، ولا سيما نظام التمديد الحكمي الذي جرّد المالك عملياً من حق الاستعمال والاستغلال والتصرف وحوّل عقد الإيجار إلى “علاقة شبه دائمة ببدلات متدنية”.

وذكر التقرير أن الفروغ نشأ كحلّ عرفي لتعويض المستأجرين وإعادة قدر من التوازن، فأضحى للمستأجر حق اقتصادي فعلي في المتجر مع بقاء ملكية الرقبة للمالك.

وأشار إلى أن أهمية هذا الملف تبرز حالياً في ضوء التغيّر السياسي وتشكيل لجنة رسمية لمراجعة التشريعات، وما رافق ذلك من جدل حول «إلغاء الفروغ».

وخلص التقرير إلى ضرورة إدماج القضية ضمن سياسة وطنية شاملة لحقوق السكن والملكية، تبنى على الاعتراف بوظيفة الفروغ التعويضية واعتماد آليات مرنة للإثبات، وتحقيق التوازن دون إحداث صدمة قانونية أو اقتصادية.

وفي التفاصيل، اعتمد التقرير على منهجية مركّبة جمعت بين تحليل قانوني شامل لتشريعات الإيجار السورية منذ عام 1943، وعمل ميداني تشاوري شمل مقابلات مع تجار وشاغلين في عدة محافظات، مدعوماً ببيانات حقوقية ورصد إعلامي ومقارنة قانونية، بهدف إنتاج توصيات قابلة للتطبيق تراعي الخصوصية السورية.

الإطار القانوني لعقود الإيجار

وقدّم التقرير تمهيداً تاريخياً وسياسياً لقضايا السكن والأرض والملكية في سوريا، كما تناول مرحلة نظام الأسد البائد التي شهدت تراكم تشريعات مقيّدة للملكية، ولا سيما بعد عام 2000، وبلغت ذروتها بعد عام 2011 عبر قوانين عمرانية وأمنية مثل المرسوم 66 والقانون 10 وقوانين مكافحة الإرهاب، التي استُخدمت لمصادرة أملاك المعارضين والنازحين والمختفين قسرياً.

واستعرض التقرير الإطار القانوني لعقود الإيجار في سوريا، مبيّناً التناقض بين أحكام القانون المدني لعام 1949، التي أخضعت الإيجار لإرادة المتعاقدين، وبين القوانين الاستثنائية التي قيّدت هذا المبدأ عبر فرض التمديد الحكمي.

وميّز التقرير بين مرحلتين رئيستين، حيث كرست المرحلة الأولى التمديد الحكمي بين عامي 1943 و2001، بدءاً بقوانين مؤقتة أبرزها القانون 26 لعام 1943 والقانون 464 لعام 1949، وصولاً إلى المرسوم التشريعي 111 لعام 1952 الذي شكّل أساس الخلل البنيوي عبر تحويل الإيجار إلى علاقة شبه دائمة، وتخفيض بدلات الإيجار وتقييد الإخلاء وتحديد نسب أجور متدنية.

ولفت إلى أن تعديلات لاحقة عززت هذا الواقع، ولا سيما المراسيم 24 لعام 1965 و187 لعام 1970 و13 لعام 1971، التي أبقت الأجور منخفضة لعقود طويلة.

وذكر التقرير بأن المرحلة الثانية بدأت بعد عام 2000 بمحاولات معالجة آثار التمديد الحكمي دون المساس بالعقود القديمة، عبر قوانين 6 لعام 2001 و10 لعام 2006 و32 لعام 2011 و20 لعام 2015، التي أعادت العقود الجديدة إلى حرية التعاقد، وأبقت المتاجر والعقود القديمة خاضعة للتمديد الحكمي، مع إقرار آليات لإنهاء العلاقة الإيجارية مقابل تعويضات مالية للمستأجرين، وتنظيم بيع المتاجر ومنح المالك حقوق الأفضلية ونسباً من الثمن.

أوضاع قانونية معقدة

ويرى التقرير أنَّ هذا التدخل التشريعي الممتد أخلّ بحقوق المالكين وشوّه سوق العقارات، وأنتج أوضاعاً قانونية معقّدة ما زالت آثارها قائمة.

وأكد التقرير أنَّ معالجة الفروغ ينبغي أن تندرج ضمن إطار وطني شامل للعدالة الانتقالية في مجال الملكية، عبر آلية مستقلة تقوم على الجرد والتصنيف والتمييز بين حالات الغياب القسري والعلاقات غير المتكافئة، وضمان عدم تحميل أي طرف كلفة مضاعفة.

وخلصت الشبكة إلى أنَّ أصل إشكالية الفروغ يعود إلى منظومة الإيجارات الاستثنائية، ولا سيما التمديد الحكمي، الذي نشأ كتدبير مؤقت ثم تحوّل إلى قاعدة دائمة قيّدت حرية التعاقد وأضعفت حقوق المالك، ما أفضى إلى نشوء الفروغ كآلية تعويضية فرضها خلل تشريعي تتحمّل الدولة مسؤوليته.

توصيات

وقدم التقرير توصيات موسعة منها متعلق بالمجلس التشريعي مثل إقرار قانون خاص لمعالجة آثار الإيجارات ذات التمديد الحكمي والمتاجر الخاضعة للفروغ، على أن يصدر بصيغة «قانون انتقالي» محدّد الغاية والزمن، ويُربط صراحةً بمبادئ العدالة الانتقالية في مجال السكن والأرض والملكية.

كما أوصى غرف التجارة والصناعة والجمعيات المهنية بإنشاء لجان مصالحات متخصّصة بملف الفروغ تعمل بآلية الوساطة السابقة على التقاضي، وتستند إلى جداول أسعار متّفق عليها في كل سوق بحسب خصوصيته وموقعه التاريخي، بالإضافة إلى تزويد اللجنة الحكومية المكلّفة ببيانات تاريخية عن تداولات المتاجر وأسعار الفروغ التقديرية خلال العقود السابقة.

ودعا تقرير الشبكة المالكين الامتناع عن اتخاذ إجراءات إخلاء أحادية أو طرق أبواب القضاء بصورة متسرّعة استناداً إلى شائعات إلغاء الفروغ، وانتظار صدور الإطار القانوني النهائي أو التعاميم الوزارية المنظمة.

كما أوصى المالكين بالاحتفاظ بكل ما أمكن من بيّنات قديمة، مثل وصل أو مراسلة أو شهود أو قرائن سوقية، تثبت أنَّهم تقاضوا فروغاً أو أنَّهم لم يتقاضوا، لأنَّ مقدار التعويض أو المقاصة سيتوقف مباشرة على ذلك.

وأوصى المستأجرين والورثة والمستثمرين اللاحقين بتوثيق أي مبالغ دُفعت أو ستُدفع من تاريخ التقرير فصاعداً، ولو بوسائل بسيطة مثل الشهود أو إقرار خطي من المالك أو تحويل مصرفي، لتقديمها لاحقاً أمام اللجنة أو أمام القضاء، إلى جانب المبادرة إلى تسجيل المتجر في السجل التجاري أو سجل المتاجر متى كان ذلك متاحاً، لإثبات الوجود القانوني للمتجر وعنصر «حق الاستئجار» بوصفه جزءاً من القيمة الاقتصادية للمتجر.

في حين أوصى الحكومة بإنشاء «هيئة وطنية مستقلة لردّ المساكن والممتلكات وفضّ المنازعات العقارية» تُدمج فيها ملفات الإيجارات القديمة والفروغ والمزادات على أملاك المهجّرين والحجوزات الإدارية، وتُنظر فيها بمرجعية قانونية واحدة تمنع تضارب المعالجات القطاعية.

كما حثت الشبكة السورية لحقوق الإنسان المنظمات الدولية والشركاء الأمميين على دعم الحكومة والجهات الوطنية في إعداد قاعدة بيانات وطنية عن الإيجارات القديمة والفروغ وتمويل المسوحات الميدانية.

المصدر: الإخبارية