في ظل إعلان الحكومة السعر الجديد لشراء القمح من المزارعين، تبرز معادلة معقدة تحاول الحكومة موازنتها بين تشجيع المزارعين على الاستمرار بالإنتاج، والحفاظ على الاستقرار المالي وتمويل دعم الخبز والمواد الأساسية.
وقال نائب مدير المنتدى الاقتصادي السوري للتنمية محمود الذرعاوي، لموقع الإخبارية، الإثنين 18 أيار: إن قرار التسعيرة جاء في ظرف اقتصادي شديد التعقيد، حيث ينظر المزارع للسعر من زاوية تختلف عن زاوية الحكومة، فالدولة مطالبة بحماية المالية العامة وضمان استمرار دعم الرغيف وتأمين الأمن الغذائي، فيما يواجه المزارع ارتفاعاً حاداً في كلفة الإنتاج.
على ماذا استندت التسعيرة؟
أوضح الذرعاوي أن التسعيرة الجديدة استندت بحسب التقديرات إلى عدة محددات رئيسة: الأسعار العالمية للقمح، كلفة الاستيراد بالدولار، واقع الموازنة العامة، وحجم الدعم الذي تتحمله الدولة في ملف الخبز.
وأشار إلى أن هذه المعادلة تصطدم بواقع ميداني مختلف، فالمزارع السوري اليوم يواجه ارتفاعاً كبيراً في أسعار المحروقات والأسمدة والبذار والنقل وتكاليف التشغيل عموماً، معتبراً أن جزءاً كبيراً من اعتراضات المزارعين مفهوم ومبرر في هذا السياق.
ونوّه بأن تكلفة إنتاج الطن في بعض المناطق، ولا سيما الزراعة المروية والمناطق ذات الإنتاجية المنخفضة، أصبحت تقترب من سعر الشراء الحكومي نفسه.
حدود الإمكانات المالية للدولة
أكد الذرعاوي أن النظرة الواقعية تقتضي الإقرار بأن الدولة تعمل ضمن إمكانات مالية محدودة، موضحاً أن رفع السعر بشكل كبير قد ينعكس مباشرة على تكلفة الخبز، وأسعار المواد الأساسية.
ورأى أن الحل الأنسب لا يقتصر على رفع سعر الشراء المباشر، بل يتطلب ابتكار آليات دعم ذكية ومستدامة تشجع المزارع على الاستمرار بزراعة القمح دون تحميل الخزينة أعباء نقدية إضافية كبيرة.
اقتراح دعم مرتبط بالبذار والإنتاج
اقترح الذرعاوي صيغة عملية تقوم على منح المزارع دعماً عينياً على شكل مساهمة بجزء من قيمة بذار الموسم القادم، وفق معادلة واضحة ترتبط بكمية القمح التي سلمها للدولة هذا العام.
وتحقق هذه الآلية، بحسب الذرعاوي عدة أهداف في آن واحد: تشجيع المزارع على بيع محصوله للدولة، دعم استمرارية زراعة القمح في الموسم القادم، تخفيف العبء النقدي المباشر على الحكومة، وضمان بقاء الدعم مرتبطاً بالإنتاج الحقيقي.
ولفت إلى أن ربط الدعم بالبذار يحمل بعداً استراتيجياً، إذ إن دعم استمرارية الزراعة قد يكون أكثر فائدة على المدى الطويل من تقديم دعم نقدي مؤقت.
القمح قضية أمن قومي
خلص نائب مدير المنتدى الاقتصادي السوري للتنمية إلى أن القمح ليس مجرد محصول زراعي، بل قضية أمن غذائي واستقرار اجتماعي واستراتيجي، محذراً من أن أي تراجع كبير في زراعته مستقبلاً قد تكون كلفته أعلى بكثير من أي دعم مدروس يُقدَّم اليوم.
ودعا إلى الانتقال من منطق تحديد سعر الشراء فقط، إلى بناء شراكة وثقة طويلة الأمد مع المزارع باعتباره الركيزة الأساسية للأمن الغذائي، مبيّناً أن المرحلة القادمة يجب أن تكون مرحلة بناء ثقة وتطوير تدريجي للقطاع الزراعي، لأن حماية القمح تعني حماية الأمن الغذائي والاستقرار الوطني.
هامش ربح محدود
من جانبه، المحلل الاقتصادي رضوان الدبس أوضح أن الدراسة الأولية للتكاليف تكشف أن السعر الجديد للقمح يمنح المزارع هامش ربح محدود وضيق لا يحفز على التوسع بالإنتاج، مؤكداً أن هذا الهامش غير ثابت، فقد ينعدم تماماً في المناطق ذات الكلفة المرتفعة أو الإنتاجية المنخفضة، وقد يتضاعف في الأراضي المروية، ولا يغطي أي طارئ كالتقلبات المناخية أو الآفات الزراعية.
وقال الدبس في تصريحات للإخبارية: إن الحسابات الأولية لتكلفة إنتاج طن القمح في سوريا تتراوح بحسب المنطقة وطريقة الري، حيث تبلغ وسطياً 18 ألف ليرة للبذور والأسمدة والمبيدات، و12 ألف ليرة أجور العمال، الحراثة، الري، والمازوت، و10 آلاف ليرة للنقل والحصاد والتخزين، وبذلك تبلغ التكلفة الإجمالية التقريبية للطن 40 ألف ليرة سورية، وعليه فإن سعر الشراء المعلن يمنح المزارع هامش ربح لا يتجاوز 6 آلاف ليرة وسطياً.
وبيّن الدبس أن آلية التسعير تضمن للفلاح عدم الخسارة الكبيرة، وتخفف عنه مخاطر تقلبات الأسعار العالمية باعتبار السعر ثابتاً، لكن في المقابل، فإن هامش الربح المحدود يقلل الحافز لدى المزارعين للاستثمار وتوسيع المساحات المزروعة أو تحسين جودة الإنتاج، كما أن الآلية مركزية ولا تأخذ بعين الاعتبار فروقات الإنتاجية وتكاليف الري بين منطقة وأخرى.
المقارنة مع المستورد
الدبس لفت إلى أنه عند مقارنة السعر المحلي بالعالمي، فإن سعر طن القمح يبلغ عالمياً 250-300 دولار حسب الجودة، وبحسب سعر صرف السوق الحر البالغ 13,500 ليرة للدولار، فإن كلفة الطن المستورد تصل إلى 37,500 ليرة، وبذلك يكون القمح المستورد أرخص بنحو 8,500 ليرة من المحلي.
وأشار إلى أن الحكومة تتحمل هذا الفارق عمداً لضمان استمرار الزراعة المحلية وتأمين الأمن الغذائي الوطني، على حساب ربحية المزارع.
حلول مقترحة
خلص الخبير الاقتصادي إلى أن آلية التسعير الحالية جيدة من ناحية تأمين مادة استراتيجية، لكنها لا تحفز زيادة الإنتاج أو تحسين الجودة بسبب ضعف أرباح المزارعين، داعياً الحكومة إلى وضع خطة دعم موازية ترفع أرباح الفلاحين عبر تقديم معونات، أو دعم للخبرات والمواد الأولية، بهدف تشجيعهم على زيادة المساحات المزروعة ورفع الإنتاجية.
وأصدرت وزارة الاقتصاد والصناعة في 16 أيار الجاري، قراراً يقضي بتحديد سعر شراء القمح القاسي من الدرجة الأولى من المزارعين لموسم 2026، بمبلغ 46 ألف ليرة سورية جديدة، بحسب ما نشرته الوزارة على معرفاتها الرسمية.



