حلب حكاية صمود.. من صرخة الحرية الأولى وحتى التحرير

حلب حكاية صمود.. من صرخة الحرية الأولى وحتى التحرير

التحقت حلب بركب الثورة لتروي حكاية صمود وتكون منطلقاً للتحرير؛ فقد قاد طلاب جامعة حلب أولى المظاهرات السلمية داخل الحرم الجامعي في تحد للقبضة الأمنية من جانب النظام البائد الذي حاول خنق صوت يهتف للحرية.

وانطلقت المظاهرات السلمية من كليات الآداب والعلوم والهندسة، وهتف الشبان بشعارات تنادي بإسقاط النظام، وسرعان ما انتقل الحراك من الجامعة إلى الأحياء المحيطة، محطماً جدار الخوف المفروض طيلة عقود.

وتصاعد زخم المظاهرات في أحياء صلاح الدين والصاخور والشعار، ليعلن المتظاهرون خروج هذه المناطق عن سيطرة النظام البائد الأمنية بشكل تدريجي.

وبحلول منتصف عام 2012، تقدمت فصائل الجيش الحر من الريف نحو المدينة التي انقسمت جغرافياً وباتت الأحياء الشرقية تحت إدارة الجيش الحر، بينما تمسك النظام بالأحياء الغربية والمنشآت العسكرية الاستراتيجية.

معركة حلب الكبرى وسنوات البراميل المتفجرة

لجأ النظام البائد إلى سلاح الجو في مواجهة المظاهرات والثوار، وقصف المدن بشكل عشوائي ومكثف في الأحياء الشرقية، وبات يبتكر وسائل قتل جماعي لعل أشهرها البراميل المتفجرة.

وأسقطت المروحيات آلاف البراميل والحاويات المملوءة بالمتفجرات فوق رؤوس المدنيين وقتلت عائلات بأكملها وحاول تدمير تاريخ المدينة وأسواقها الشعبية في محاولة يائسة لكسر الحاضنة الشعبية للثورة.

إزاء هذا التصعيد العدواني من جانب النظام البائد، أسس الثوار فرق الدفاع المدني السوري التي عرفت باسم (الخوذ البيضاء) لإنقاذ العالقين تحت الأنقاض، بينما تحولت المدارس والمساجد في الأحياء المحررة إلى مراكز إيواء ومشاف ميدانية تحت الأرض هرباً من الاستهداف المباشر.

التدخل الروسي وحصار المدينة

دخلت روسيا بشكل مباشر إلى جانب النظام في عام 2015 مستخدمة طائراتها وصواريخها لضرب خطوط الدفاع الخلفية للثوار، ونفذت آلاف الغارات الجوية الأمر الذي منح النظام البائد والميليشيات المتحالفة معه غطاءً جوياً مكنهم من التقدم برياً وقطع طرق الإمداد الحيوية التي تربط المدينة بريفها الشمالي.

وفي هذه الأثناء، أطبق النظام الحصار على شرق حلب في صيف 2016 بعد سيطرته على طريق الكاستيلو الشريان الوحيد المتبقي لإدخال الغذاء والدواء للمنطقة المحررة.

وعاش قرابة 300 ألف مدني ظروفا كارثية تحت القصف اليومي والجوع الممنهج، وانتهت هذه الحقبة في كانون الأول من عام 2016 بعملية تهجير قسري نحو الريف الجنوبي والشمالي.

الريف الحلبي خزان الثورة

احتضن ريف حلب الشمالي والغربي مئات الآلاف من المهجرين والنازحين الذين رفضوا التسوية مع النظام البائد، ليتحول الريف إلى معقل لثوار المحافظة في الشمال السوري.

وشكلت الفصائل الثورية خطوط دفاع حصينة على جبهات ريف حلب الغربي، وخاضت معارك استنزاف يومية ضد الميليشيات الإيرانية، وحافظت على جاهزيتها العسكرية رغم سنوات الركود السياسي والاتفاقيات الدولية الهشة.

وأدارت المؤسسات المدنية والخدمية مناطق الريف المحرر في ظروف أمنية معقدة، حيث استمرت في بناء المدارس والجامعات والمشاريع التنموية.

معركة ردع العدوان.. التحرير ينطلق من حلب

أطلقت فصائل الثورة السورية في عام 2024 عملية عسكرية واسعة النطاق تحت اسم ردع العدوان، وانطلق الثوار من ريف حلب الغربي ليحطموا تحصينات النظام البائد وميليشياته في جبهات كانت توصف بأنها قلاع منيعة.

لم يكن الهجوم المفاجئ من ريف حلب الغربي خطوة عشوائية، بل جاء نتيجة إدراك لأهمية هذا الموقع الجغرافي الذي يشكل حلقة وصل حيوية بين إدلب وحلب، ويمنح القدرة على قطع طرق الإمداد الرئيسية للنظام البائد.

وجاء هذا التقدم في وقت كان فيه النظام في ذروة قوته العسكرية، بعد أن عزز مواقعه بأكثر من 20 ألف مقاتل طيلة أربع سنوات.

سقوط الفوج 46 وتحول المعركة

في اليوم الأول من العملية، تمكنت غرفة العمليات من تحرير 15 بلدة، من بينها عنجارة وأورم الكبرى، فيما مثلت السيطرة على الفوج 46 تحولاً استراتيجياً مهماً، إذ فتحت الطريق أمام التقدم باتجاه مدينة حلب.

ويعد سقوط الفوج 46 بمثابة كسر أولى خطوط الدفاع للنظام البائد، حيث تركت قواته المنسحبة كميات كبيرة من العتاد والأنظمة الدفاعية، ما عزز قوة الثوار وسرع من وتيرة التقدم.

الانهيار المتسارع

جاءت المعركة مباغتة شكلت مفاجأة كبرى ليقدم الثوار درساً في اختيار التوقيت وأهميته، والانطلاق وفق رؤية عسكرية دقيقة على المستويين الجغرافي والزمني، ما أتاح لهم تحقيق تقدم سريع خلال الأيام الأولى من المعركة.

وأسهمت المعركة في إعادة مفهوم التحرير والوعي السياسي لدى السوريين، ورسمت الأمل من جديد، لا سيما أن الثوار تسلحوا بالعزيمة أكثر من أي وقت ليبدأ التحرير من حلب ويستعيد السوريون حريتهم وحياتهم من جديد.

المصدر: الإخبارية