مع إحكام السيطرة على مدينة حماة خلال معركة ردع العدوان التي شكّلت تحولاً ميدانياً وسياسياً في المشهد السوري، انتشر على نطاق واسع مقطع مصوّر لقائد إدارة العمليات العسكرية آنذاك، السيد الرئيس أحمد الشرع، وجّه خلاله رسالة مباشرة إلى الحكومة العراقية دعا فيها إلى فتح صفحة جديدة من العلاقات بين سوريا الجديدة في مرحلة ما بعد إسقاط نظام الأسد والعراق.
رسالة إيجابية إلى بغداد
وفي كلمته التي تزامنت مع خطاب رئيس الوزراء العراقي محمد شياع السوداني، قال الرئيس أحمد الشرع: “رأينا أن هناك كثيراً من المخاوف أو الأوهام التي يظن بعض الساسة العراقيين أن ما يجري في سوريا سيمتد إلى العراق، وأنا أقول جازماً إن الأمر خاطئ مئة بالمئة، فكما نجح العراق ونجح السيد محمد شياع السوداني في أن ينأى بنفسه عن الحرب التي بين إيران والمنطقة في الآونة الأخيرة، فنشدّ على يده أيضاً أن ينأى بالعراق عن أن يدخل في أتون حرب جديدة مع ما يجري في سوريا”.
وأضاف: “في سوريا شعب ثار على هذا النظام المجرم، وهو الآن يقوم بواجبه في الدفاع عن نفسه واسترداد حقوقه من هذا النظام الذي قتل الأطفال والنساء وعذّبهم، ليست الثورة معنيّة بما يجري في العراق، بل على العكس تطمح إلى أن تكون هناك علاقات استراتيجية اقتصادية وسياسية وأواصر اجتماعية نعزّزها ما بعد زوال هذا النظام المجرم في سوريا الجديدة”.
وختم الرئيس الشرع رسالته بقوله: “نأمل من الساسة العراقيين، وعلى رأسهم السيد محمد شياع السوداني، أن ينأى بالعراق عن الدخول في مثل هذه المهاترات، وأن يمنع إرسال الحشد الشعبي العراقي، وأن يقوم بواجبه في منع تدخل الحشد الشعبي في ما يجري بسوريا للوقوف في صف هذا النظام الزائل”.
قراءة سياسية للرسالة
وحول أهمية هذه الرسالة وتوقيتها، قال الباحث السياسي أحمد الجنيد لموقع الإخبارية إن أبرز دوافع هذه الرسالة كانت حالة التجييش الطائفي التي شهدها العراق خلال معركة ردع العدوان، حيث روّج الحشد الشعبي لضرورة دعم نظام الأسد البائد، ولهذا جاءت رسالة الرئيس أحمد الشرع ذات طابع مزدوج: الأول، سياسي موجَّه إلى الحكومة العراقية لحثّها على أداء دورها المطلوب، والآخر اجتماعي موجَّه إلى الشعب العراقي لتأكيد عدم وجود أي عداء تجاهه.
وأوضح الجنيد أنه لا يمكن الجزم بأن الحكومة العراقية تعاملت بإيجابية كاملة مع الرسالة، إذ شهدت الحدود السورية–العراقية بعض التوترات، كما استقبلت بغداد عدداً من فلول النظام البائد، إلا أن الأيام الأخيرة شهدت تحولاً لافتاً تمثّل في سحب عدة ميليشيات عراقية كانت متواجدة في سوريا، إلى جانب إغلاق محكم للحدود، ما يشير إلى أن الرسالة بدأت تؤتي ثمارها.
وبيّن أن الرسالة شكّلت أرضية للعلاقات اللاحقة بين البلدين بعد سقوط النظام البائد، إذ حملت مضموناً واضحاً من الرئيس الشرع بأن سوريا الجديدة تسعى إلى بناء علاقات استراتيجية مع العراق، وعلى الرغم من بعض القلق العراقي في البداية، فإن وتيرة التنسيق والتواصل تسارعت لاحقاً، ما يؤكد أن الرسالة وصلت بوضوح، وأقنعت العراقيين بأن زمن الأسد قد انتهى وأن التعاون مع سوريا الجديدة هو الخيار الواقعي.
ورأى أن الرسالة كانت من بين العوامل التي ساهمت في تحييد الحشد الشعبي عن التدخل في سوريا، لكنها في الوقت ذاته عكست حجم القلق الذي عاشته ميليشيات النظام البائد، خاصة مع انهيار جيشه وإدراك داعميه أن الدفاع عنه لم يعد ممكناً.
بين الثورة والدولة
منذ انطلاق الثورة السورية المباركة، شكّلت العلاقة مع العراق أحد الملفات الإقليمية المعقّدة، خاصة في ظل وجود فصائل مسلّحة عابرة للحدود.
ومع تصاعد العمليات العسكرية في سوريا برزت مخاوف عراقية من امتداد الصراع، قابلها تأكيد سوري معارض على أن الثورة لا تستهدف العراق، بل تسعى إلى بناء دولة مستقلة ذات سيادة.
وجاءت رسالة السيد الرئيس أحمد الشرع في هذا السياق لتؤكد مسار الانتقال من حالة الثورة إلى حالة الدولة، وتدعو إلى شراكة مستقبلية تقوم على المصالح المشتركة، بعيداً عن الاصطفافات الإقليمية التي لطالما غذّت الصراع في المنطقة.



