في خطوة تعكس تحوّلاً لافتاً في مسار العلاقات الاقتصادية بين سوريا والقارة الأوروبية، أعلن وزراء خارجية الاتحاد الأوروبي أمس الإثنين 11 أيار، استئناف العلاقات التجارية مع سوريا وإعادة تفعيل اتفاقية التعاون المعلّقة مع سوريا منذ عام 2011.
ويأتي قرار إنهاء التجميد الجزئي للاتفاقية بعد رفع العقوبات الغربية عن سوريا نهاية العام المنصرم في إطار دعم مرحلة التعافي وإعادة الإعمار، وسط التزامات أوروبية، جاءت على لسان مسؤول أوروبي بإعادة الانخراط مع دمشق وتعزيز الاستقرار السياسي والاقتصادي في البلاد.
وتكتسب الاتفاقية أهميتها لأنها شكّلت أساس العلاقات الاقتصادية والتجارية بين اللجنة الاقتصادية الأوروبية (آنذاك) وسوريا منذ توقيعها في عام 1977 ودخولها مرحلة التنفيذ بعد عام من التوقيع.
أهداف الاتفاقية
وبشكل رئيسي، استهدفت الاتفاقية تعزيز التبادل التجاري من خلال تقديم تسهيلات جمركية لدخول المنتجات السورية، ولا سيما الزراعية، إلى الأسواق الأوروبية، كما شملت أيضاً مجالات التعاون الاقتصادي والتقني عبر دعم مشاريع التنمية، ونقل الخبرات وتشجيع الاستثمارات، فضلاً عن تقديم مساعدات مالية لسوريا على شكل قروض ومنح.
وركّزت الاتفاقية على التعاون في قطاعات استراتيجية مثل الصناعة والزراعة والبنية التحتية، بدعم من برامج فنية وتمويلية هدفت إلى نقل المعرفة ورفع الكفاءة الإنتاجية.
يشرح الباحث في مركز جسور للدراسات وائل علوان لموقع الإخبارية أبعاد الخطوة الأوروبية، وفرص التعاون والاستثمار المتوقعة، إذ يرى أنّ الاتحاد الأوروبي يُعدّ أبرز المستفيدين من عملية الانتقال السياسي في سوريا، ولذلك يشكّّل الداعم الرئيسي للاستقرار السياسي والأمني والاقتصادي فيها.
ويوضح علوان أن الاتحاد ينطلق في مقاربته الجديدة باتجاه سوريا من فهمه العميق لضرورات الاستقرار فيها، وفي مقدّمتها إعادة الإعمار وتحسين الواقع الاقتصادي نظراً لارتباط الاستقرار الأمني بالاقتصاد.
ويضيف علوان: إن دول الاتحاد بدأت، إعادة بناء علاقاتها مع الحكومة السورية لذلك ألغت معظم الاتفاقيات التي كانت قائمة مع النظام البائد ولم يجرِ تفعيلها آنذاك، ما يمهّد لمرحلة جديدة من العلاقات والتعاون.
انفتاح أوروبي نحو دمشق
وتتزامن إعادة تفعيل الاتفاقية، مع انفتاح سياسي واقتصادي أوروبي باتجاه دمشق، إذ شارك الاتحاد الأوروبي وسوريا أمس، في أول حوار سياسي رفيع المستوى في العاصمة البلجيكية بروكسل ترأسه وزير الخارجية والمغتربين، أسعد حسن الشيباني، إلى جانب كل من الممثلّة العليا للاتحاد الأوروبي للشؤون الخارجية والسياسة الأمنية، كايا كالاس، والمفوضة الأوروبية لشؤون البحر المتوسط، دوبرافكا سويتشا، برفقة عدد من المسؤولين من الطرفين.
وتكشف التصريحات الأوروبية الأخيرة المتتالية عن سعي الاتحاد لتعميق مفاوضات الشراكة الاقتصادية مع سوريا، وهذه الرغبة الغربية قابلها ترحيب سوري على أساس المصالح المشتركة، حيث أكد الوزير الشيباني في بروكسل أن سوريا تفتح أسواق عمل واعدة أمام المؤسسات الأوروبية على أساس المنفعة المتبادلة.
يبيّن الباحث علوان أن هذا المناخ سيترك آثاراً إيجابية مباشرة على الاستثمار والتبادل التجاري، لكونهما جزءاً أساسياً من منظومة الأمن والاستقرار الاقتصادي المرتبط بالاستقرار العام في البلاد.
ويلفت إلى أن أشكال التعاون والدعم الأوروبي المتوقّعة تشمل برامج التعافي الاقتصادي، والمساهمة في إعادة بناء الحوامل الاجتماعية التي دمّرتها سنوات الحرب، إضافةً إلى دعم توجّهات الدولة السورية، من أجل معالجة الأزمات التي لطالما صدّرها النظام البائد للقارة الأوروبية.
وتطرّق علوان إلى الموقع الجيوسياسي لسوريا إذ يرى أنه يوفّر فرصاً كبيرة للتعاون الاقتصادي والاستثماري، بما يجعل سوريا ممراً مهماً للتجارة ومركزاً للإنتاج والتصدير في المنطقة.
حزم مالية أوروبية لدعم التعافي
أكدت المفوضة الأوروبية لشؤون البحر المتوسط، دوبرافكا سويتشا، أمس عقب لقائها الوزير الشيباني على هامش أعمال الحوار السياسي في بروكسل، أن الاتحاد الأوروبي يمضي قدماً في تنفيذ التزاماته بدءاً من رفع تعليق اتفاقية التعاون لعام 1978، وصولاً إلى تخصيص 620 مليون يورو لدعم مرحلة الانتقال والتعافي في سوريا،
ومن أجل تحقيق هذه الشراكة المستقبلية، يعتقد الباحث علوان أن الاتحاد سيتجه إلى تخصيص حزم مالية لدعم عملية التعافي والاستقرار في سوريا، وقد تكون على شكل منح أو قروض أو شراكات استثمارية، وتشمل مشاريع إعادة الإعمار ودعم القطاعات الإنتاجية، وفي مقدّمتها الزراعة والصناعة التحويلية، إلى جانب تأهيل الطرق والمعابر وتعزيز النشاط الاقتصادي بشكل عام.



