يشكل توقيع سوريا مذكرتي تفاهم مع العراق وائتلاف من الشركات الدولية، لتأهيل وإعادة إحياء خط نقل النفط الخام كركوك – بانياس، خطوة استراتيجية تهدف إلى إعادة تفعيل أحد أهم مشاريع الربط النفطي في المنطقة وتعزيز التعاون في قطاع الطاقة، إلى جانب تعزيز الشراكات الدولية والاستثمارات النوعية في قطاع النفط والغاز.
وفي هذا الصدد، قال المستشار الاقتصادي أسامة قاضي، في تصريحات للإخبارية الإثنين 20 تموز: إن الإعلان عن توقيع مذكرتي تفاهم مع مع الجانب العراقي ومع ائتلاف دولي يضم شركات ” Chevron” و “UCC Holding” و ” TI Capital” ، يمثل خطوة مهمة ويحمل طابعاً جدياً، لأنه يستهدف وضع إطار تنفيذي واضح للمشروع.
واعتبر دخول شركة بحجم ” Chevron” وباعتراف دولي واضح، يعني انتقال المشروع من الإطار السياسي إلى مرحلة الفحص التجاري والفني، مبيناً أن الدراسات ستشمل تقييم سلامة المسار، وحالة الأنابيب، والطاقة الاستيعابية الممكنة، وكلف التأهيل والتأمين ورسوم العبور، وصولاً إلى العائد المتوقع على رأس المال، ما يرفع مستوى الجدية في التعامل مع المشروع إلى درجة ممتازة.
دلالات مشروع خط كركوك بانياس
وذكر قاضي أن المشروع يعطي دلالة كبيرة على أن سوريا ليست مجرد موقع جغرافي، بل هي أصل اقتصادي جاذب للاستثمارات، مشيراً إلى أن سوريا كانت وما زالت واحدة من أهم دول العبور والممرات الاستراتيجية لنقل النفط العراقي إلى أوروبا عبر البحر المتوسط وبانياس.
ولفّت إلى أن مشروع تأهيل خط كركوك – بانياس سيوفر للعراق منفذاً آمناً للطاقة إلى الأسواق الأوروبية، ويجنبه الاعتماد على الممرات عالية المخاطر مثل مضيق هرمز ومضيق باب المندب، ولا سيما في ظل أزمة مضيق هرمز الحالية، حيث أدرك العالم ضرورة إيجاد بدائل استراتيجية، وسوريا تمثل واحدة من أهم هذه البدائل.
واعتقد المستشار الاقتصادي أن هذا المسار يعد خياراً استراتيجياً للعراق، وخاصة مع وجود شركة مثل “Chevron” ما يمنح المشروع مصداقية كبيرة، نظراً لخبرتها في إدارة المشاريع النفطية، وإجراء الدراسات الفنية والمالية وفق المعايير الدولية، وامتلاكها منظومات صارمة للامتثال، ولا سيما أن شركة بهذا الحجم لا تدخل بمشاريع كبرى دون تقييم دقيق للمخاطر القانونية والأمنية والمالية.
ونوّه إلى أنه مع بدء مرحلة الاتفاقيات العملية والتنفيذية، ستبدأ أول خطوة فعلية نحو انتعاش جديد للاقتصاد السوري من خلال خلق فرص عمل مرتبطة بتركيب وتشغيل الأنابيب.
بدوره، قال الخبير المالي والاقتصادي علي محمد، في تصريحات لموقع الإخبارية: إن ما يتم الحديث عنه والتوقيع عليه اليوم بشأن خط كركوك – بانياس يتجاوز البعد الهندسي البحت، إلى إنه ترجمة فعلية للواقع إلى مرحلة جديدة تحمل أبعاداً اقتصادية وفنية متكاملة.
وأضاف “عندما يبدأ ائتلاف من الشركات العالمية بإعداد الدراسات الشاملة لهذا الخط الممتد لأكثر من 800 كيلومتر وعبر دولتين، فإننا نتحدث عن دراسة مالية وفنية وجدوى اقتصادية متكاملة، هذا يعني أننا أمام مرحلة جديدة يتم فيها تقييم كل ما يتعلق بالخط من الطاقة الاستيعابية، وقدرة التحمل، وكلفة التأهيل، والعائد المتوقع، والمخاطر المحيطة به، وصولاً إلى آليات البناء والتأمين والصيانة، وكل ذلك وفق معايير عالمية متطورة.
وأكد أن ذلك يرسل إشارة واضحة للجميع بأن مسار الاستقرار في سوريا يعد شعاراً وعملاً يتم على الأرض، مشيراً إلى أن المشروع يجسد نموذجاً للتعاون الإقليمي والدولي، كونه لا يقتصر على كونه خطاً بين دولتين، بل يؤدي دوراً إقليمياً محورياً.
وأشار إلى أن هذا المشروع يعيد تأكيد موقع سوريا كدولة عبور استراتيجية تربط مناطق النفط العراقية في كركوك بالساحل السوري، وتربط الخليج بالبحر المتوسط، هذا الدور الذي غاب كثيراً خلال السنوات الماضية يعود اليوم ليؤكد الأهمية الجيوسياسية الطبيعية لسوريا.
محددات نجاح مشروع خط كركوك بانياس
وبيّن الخبير الاقتصادي أن نجاح المشروع مرتبط بمحددات كثيرة مثل البنية التحتية، التمويل، العقود، الضمانات، وإدارة المخاطر، مشيراً إلى أن المخاطر الموجودة في سوريا والعراق يمكن تقييمها وإدارتها وفق معايير علمية وعالمية، خاصة مع وجود دائرة متخصصة لإدارة المخاطر ما يحولها إلى عنصر قابل للتعامل، كما يمنح نجاح المشروع سوريا شهادة ثقة وضمان دولية لجذب استثمارات أكبر مع الوقت.
إعادة إحياء سوريا كدولة عبور
ولفّت الخبير الاقتصادي إلى أن الموقع السوري هو موقع طبيعي واستراتيجي بامتياز، لما لها من أهمية جيوسياسية وجيواقتصادية ودور محوري كدولة عبور.
وأوضح أن هذا المشروع يعيد اليوم تذكير العالم بأهمية هذا الموقع الذي تضرر كثيراً خلال السنوات الماضية على مستوى البنية التحتية والسمعة، وإعادة إحيائه تعني وضع سوريا على الخارطة العالمية لنقل النفط العراقي، ومن ثم نفط الخليج والغاز.
وفيما يخصّ العوائد المباشرة للمشروع، قال إنها تتمثل في رسوم العبور والإيرادات التي ستنتج عنها، لافتاً إلى أن الاستثمار في تأهيل وصيانة الأنابيب والتخزين والنقل، ما يفتح الباب أمام استثمارات مرافقة في قطاعات النقل والخدمات اللوجستية والصيانة، ما يؤمن فرص عمل كبيرة ويخلق قيمة مضافة للاقتصاد السوري بشكل ملموس.
بداية لموجة استثمارات
ورأى الخبير الاقتصادي أن نجاح هذا المشروع وتنفيذه وفق المعايير العالمية الصحيحة، وبالتزامن مع الأهمية الكبرى للموقع السوري، سيحول سوريا إلى وجهة مهمة جداً للاستثمارات اللاحقة، كما سيكون مفتاحاً لجذب موجة أوسع من الاستثمارات إلى سوريا.
ويصنف المشروع ضمن أبرز مشاريع البنية التحتية الاستراتيجية في المنطقة، إذ تستهدف أعمال إعادة التأهيل الوصول إلى طاقة تشغيلية تقدّر بنحو مليوني برميل من النفط الخام يومياً، بما يسهم في إعادة تفعيل أحد أهم ممرات نقل الطاقة الإقليمية، ويعزز موقع سوريا كمحور لعبور الطاقة باتجاه البحر الأبيض المتوسط.
ويمثل المشروع فرصة حقيقية لتعزيز التعاون الاقتصادي في مجال الطاقة بين سوريا والعراق، وتطوير البنية التحتية المرتبطة بالنقل والتخزين والموانئ، فيما تبقى العوائد النهائية للمشروع وحجمه ودوره الإقليمي رهناً بنتائج الدراسات الفنية والمالية واستكمال الاتفاقات التنفيذية على الأرض.
ويأتي توقيع المذكرتين ضمن الجهود الرامية إلى تطوير البنية التحتية لقطاع النفط والغاز، وتوسيع التعاون الإقليمي والدولي، واستقطاب الاستثمارات النوعية، بما يدعم أمن الطاقة، ويسهم في تحقيق التنمية الاقتصادية، ويعزز دور سوريا في منظومة نقل الطاقة الإقليمية.

