منذ الإعلان عن تشكيل الهيئة الوطنية للعدالة الانتقالية، شهد هذا الملف جملة من الخطوات العملية التي شملت بناء الإطار المؤسسي والقانوني، وإطلاق مسارات المحاسبة وكشف الحقيقة وحفظ الذاكرة، بالتوازي مع جهود محلية ودولية لدعم مسار العدالة في سوريا على خلفية الجرائم والانتهاكات التي ارتكبها النظام البائد.
المأسسة وبداية الطريق
شكّل إنشاء الهيئة الوطنية للعدالة الانتقالية نقطة الانطلاق الرسمية لمتابعة أحد أبرز الملفات حساسية في الشأن المحلي منذ إسقاط النظام البائد، ففي 28 آب المنصرم، أصدر السيد الرئيس أحمد الشرع المرسوم رقم 149 لعام 2025 القاضي بتشكيل لجنة الهيئة برئاسة عبد الباسط عبد اللطيف، وعضوية عدد من الشخصيات القانونية والحقوقية.
وجاء ذلك استكمالاً للمرسوم الصادر في 17 أيار من العام الماضي، والذي أعلن تشكيل الهيئة وكلف رئيسها بتشكيل فريق العمل ووضع نظامها الداخلي خلال مدة أقصاها ثلاثون يوماً.
وبحسب المرسوم، تتولى الهيئة مهمة محاسبة مسؤولي النظام البائد على الانتهاكات المرتكبة، وترسيخ مبادئ عدم التكرار والمصالحة الوطنية، انطلاقاً من اعتبار العدالة الانتقالية ركناً أساسياً في بناء دولة القانون وضمان حقوق الضحايا.
الإطار القانوني وآليات العمل
ومع استكمال البنية المؤسسية للهيئة، برزت الحاجة إلى تحديد الأسس القانونية التي ستنظم عملها وتوجه مختلف عملياتها، الأمر الذي دفع الهيئة إلى توضيح رؤيتها للعدالة الانتقالية وآليات تطبيقها خلال المرحلة الحالية.
وضمن هذا الإطار، أوضحت الهيئة، في 30 نيسان المنصرم، أن عملها يستند إلى ثلاثة مسارات رئيسية تبدأ بكشف الحقيقة، مروراً بالمحاسبة والمساءلة، وصولاً إلى جبر الضرر وتخليد الذكرى والإصلاح المؤسسي.
وفي هذا السياق، أكدت الهيئة أنها تعمل حالياً على توثيق الأدلة والاستماع إلى الشهود في عدد من الملفات، بالتوازي مع إعداد مشروع قانون العدالة الانتقالية الذي سيُعرض على مجلس الشعب المرتقب، كما أشارت إلى اعتماد مسار قانوني هجين يوازن بين التشريعات السورية النافذة والمعايير الدولية إلى حين إقرار قانون العدالة الانتقالية الجديد.
وشددت الهيئة على أن أي أحكام نهائية في القضايا المرتبطة بجرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية لن تصدر قبل إقرار القانون، مؤكدة أن المحاكم المختصة تضم قضاة أكفاء من المنشقين عن النظام البائد وقضاة جدداً يتلقون تدريباً وفق المعايير القانونية الدولية.
المحاسبة وكشف الحقيقة
وبالتوازي مع وضع الأسس القانونية الناظمة، انتقلت الهيئة إلى إجراءات عملية على الأرض، كان أبرزها إطلاق المحاكمات ومباشرة أعمال التحقيق وجمع الشهادات.
وضمن مسار المحاسبة القضائية، أعلنت الهيئة، في 25 نيسان المنصرم، عقد جلسة المحاكمة العلنية لعاطف نجيب في القصر العدلي بدمشق، كذلك تابعت في 15 حزيران الجاري، وقائع الجلسة الأولى أمام محكمة الجنايات الرابعة المتخصصة بالعدالة الانتقالية لمتهم بالإخبار عن عدد من المواطنين وكتابة تقارير أمنية بحقهم، ما أدى إلى اعتقالهم وإخفائهم وتجهيل مصير عدد منهم حتى اليوم.
وفيما يخص قضية عائلة الدكتورة رانيا العباسي وأطفالها، أكد مدير إدارة المحاسبة والمساءلة في الهيئة الوطنية للعدالة الانتقالية المحامي رديف مصطفى، في 2 حزيران الجاري، أن المساءلة لن تقتصر على المنفذين المباشرين، بل ستشمل كل من أمر أو حرّض أو شارك أو سهّل ارتكاب هذه الجريمة.
ومن أجل جمع الشهادات والمعطيات، حرصت الهيئة على تكثيف أنشطتها الميدانية من خلال زيارات قامت بها لجنتا المساءلة وكشف الحقيقة إلى عدد من المناطق.
وشملت هذه الجهود زيارة ميدانية إلى منطقة التضامن في دمشق، في نيسان المنصرم، للاطلاع على موقع المجزرة والاستماع إلى شهادات الأهالي وذوي الضحايا حول الانتهاكات التي شهدتها المنطقة، إضافة إلى زيارة محافظة دير الزور، في أيار الماضي، بالتعاون مع وزارة العدل بهدف تلقي الشكاوى والإفادات من الضحايا وذويهم ضمن ملفات منظورة أمام القضاء المختص، كما زار وفد من الهيئة محافظة درعا، في نيسان المنصرم، في إطار جمع الأدلة ولقاء أهالي الشهداء الذين قضوا على يد عاطف نجيب.
جبر الضرر وتخليد الذاكرة
ولا يقتصر مسار العدالة الانتقالية على كشف الوقائع ومحاسبة المسؤولين عنها، بل يمتد ليشمل معالجة آثار الانتهاكات على الضحايا وذويهم، بما يضمن استعادة الحقوق والاعتراف بالمعاناة التي تعرضوا لها.
وفي إطار العمل على جبر الضرر، شارك فريق من إدارة جبر الضرر في الهيئة في ورشة عمل مشتركة بدمشق في أيار الماضي، مع الصندوق الدولي للناجين والناجيات، خُصصت لمناقشة الرؤى والمقترحات المقدمة من الضحايا حول سجل الضحايا وآليات التعويض وأشكال جبر الضرر المختلفة.
ويرتبط جبر الضرر ارتباطاً وثيقاً بحفظ الذاكرة الجماعية وتخليد الضحايا، باعتبار الاعتراف بالانتهاكات وتوثيقها جزءاً أساسياً من عملية الإنصاف ومنع تكرار الجرائم مستقبلاً.
كما واصلت الهيئة مشاركتها في الفعاليات الهادفة إلى حفظ الذاكرة الوطنية وتخليد الضحايا، حيث أقامت بالتعاون مع رابطة الأسلحة الكيميائية فعالية في نيسان المنصرم، لإحياء الذكرى السنوية لمجزرة دوما بالسلاح الكيميائي، كما شاركت في إحياء الذكرى الرابعة عشرة لمجزرة الحولة، ونفّذت وقفة تضامنية لإحياء ذكرى مجزرة البيضا وحي رأس النبع في مدينة بانياس.
التعاون الدولي والاطلاع على تجارب الأمم
ومع اتساع نطاق عمل الهيئة وتعدد الملفات التي تتعامل معها، برزت أهمية الاستفادة من الخبرات الدولية وتجارب الدول الأخرى التي خاضت مسارات مشابهة في العدالة الانتقالية.
وشهدت الفترة الماضية نشاطاً واسعاً للهيئة على صعيد التعاون الدولي، حيث بحث رئيس الهيئة عبد الباسط عبد اللطيف مع ممثلي فريق الأمم المتحدة التقني المختص بملف حقوق الملكية والسكن والأراضي، في نيسان المنصرم، آفاق التعاون الفني لمعالجة هذا الملف ضمن مسار العدالة الانتقالية.
كما التقى وفوداً، في حزيران الجاري، من الرابطة السورية الأمريكية والمنظمة السورية للطوارئ والكوارث، إضافة إلى القائم بأعمال سفارة اليابان في دمشق، في أيار الماضي، لبحث سبل دعم مسارات العدالة الانتقالية وتعزيز التعاون المؤسسي والفني.
وعلى الصعيد الدولي، أجرت الهيئة في تشرين الثاني الماضي زيارة عمل إلى الأرشيف الاتحادي وأرشيف جهاز أمن الدولة السابق “شتازي” في العاصمة الألمانية برلين، ضمن برنامج لتبادل الخبرات في التعامل مع إرث الماضي وحفظ الذاكرة وإدارة الأرشيفات الحساسة.
كما شاركت وزارة العدل في ورشة متخصصة حول العدالة الانتقالية في باريس، بينما نظم وفد من الحكومة وبمشاركة عضو الهيئة، في حزيران الجاري، فعالية خاصة بالعدالة الانتقالية على هامش أعمال الدورة الخامسة والثلاثين للجنة منع الجريمة والعدالة الجنائية في فيينا.
لا عفو عن مرتكبي الجرائم الجسيمة
ومع تزايد الاهتمام العام بملف العدالة الانتقالية واتساع النقاش حول آليات تطبيقه، برزت تساؤلات تتعلق بإمكانية منح عفو أو إجراء تسويات لبعض المتورطين في الانتهاكات، ما استدعى توضيحات رسمية من الهيئة.
ومن أجل ذلك، شددت الهيئة على عدم وجود أي عفو ضمن مسار العدالة الانتقالية عن مرتكبي الجرائم والانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان أو المشاركين فيها، مؤكدة أن هذه الجرائم لا تسقط بالتقادم، وأن أي تسويات ذات طابع إداري أو اقتصادي لا ترتبط بمسار العدالة الانتقالية ولا تشكل بديلاً عن المساءلة القضائية.
وبين بناء المؤسسات وإطلاق مسارات المحاسبة وكشف الحقيقة، والعمل على جبر الضرر وحفظ الذاكرة، تتبلور ملامح طريق العدالة الانتقالية في سوريا بوصفه أحد أبرز استحقاقات المرحلة الراهنة، ورغم التحديات فإن الخطوات التي أُنجزت حتى الآن تعكس توجهاً نحو معالجة إرث الانتهاكات بصورة شاملة، بما يضمن حقوق الضحايا ويعزز أسس دولة القانون وعدم التكرار والمصالحة الوطنية.



