يشهد قطاع الطيران المدني والملاحة الجوية في سوريا تحولاً استراتيجياً متسارعاً يعيد رسم خريطة النقل الجوي في المنطقة، فبعد سنوات من التحديات التي فرضت العزلة على الأجواء السورية، تكشف المؤشرات الرقمية الحديثة عن قفزة نوعية تعكس تسارع وتيرة التعافي الاقتصادي والاستقرار التشغيلي.
ويرتبط هذا التحول مباشرة بإعادة تشكيل سلاسل التوريد الجوي الإقليمية، حيث تبحث شركات الطيران العالمية بشكل مستمر عن مسارات أكثر كفاءة واقتصادية لتقليل زمن الرحلات وانبعاثات الكربون، خاصة في الخطوط الحيوية التي تربط القارة الأوروبية بمنطقة الخليج العربي وشرق المتوسط.
هذا التعافي تجلى في لغة الأرقام اللافتة إذ سجلت حركة العبور الجوي في الأجواء السورية خلال شهر أيار 2026 قفزة قياسية تمثلت في عبور 11,801 طائرة، مقارنة بـ 2,468 طائرة فقط خلال الشهر ذاته من العام الماضي، محققة نسبة نمو استثنائية تجاوزت 378%.
ولا يمثل ذلك الصعود الرقمي تعافياً عابراً، بل هو نتاج استراتيجية فنية متكاملة قادتها الكوادر السورية لتحديث البنية التحتية للملاحة الجوية، وإعادة كسب ثقة المنظمات والشركات الدولية.
عودة الثقة بالمجال الجوي السوري
وفي قراءته لهذه المؤشرات، أكد رئيس الهيئة العامة للطيران المدني والنقل الجوي عمر الحصري، أن ما تشهده الأجواء السورية اليوم يتجاوز المفهوم التقليدي لزيادة أعداد الطائرات، ليصبح دليلاً على استعادة الثقة الدولية بالمجال الجوي السوري كخيار آمن، وفعال، ومُجدٍ من الناحيتين التشغيلية والاقتصادية لشركات الطيران.
وأوضح الحصري أن هذا الإنجاز جاء نتيجة خطة عمل دؤوبة، قائلاً: “خلال الفترة الماضية، عملت الهيئة العامة للطيران المدني والنقل الجوي على إعادة تصميم عدد من المسارات والطرق الجوية داخل المجال الجوي السوري بما يتوافق مع متطلبات الحركة الجوية الحديثة، إلى جانب تحديث إجراءات إدارة الحركة الجوية وتعزيز جاهزية أنظمة الملاحة والمراقبة الجوية، وقد أسهمت هذه الخطوات في رفع كفاءة استخدام المجال الجوي وزيادة قدرته الاستيعابية وتحسين انسيابية الحركة الجوية وفق أفضل الممارسات والمعايير الدولية”.
كما ثمن الحصري الجهود الكبيرة لكوادر الهيئة وإدارة الملاحة والمراقبين الجويين الذين يعملون على مدار الساعة لضمان أعلى مستويات السلامة التشغيلية، مشدداً على أن الموقع الجرافي الفريد لسوريا كجسر طبيعي بين الخليج وأوروبا وتركيا وشرق المتوسط سيضمن، إضافة إلى عودة الاستقرار التشغيلي وتطور الخدمات المقدمة، استدامة هذا النمو.
وأضاف: “نحن لا ننظر إلى هذه الأرقام على أنها إنجاز، بل بداية لمسار مستدام هدفه استعادة مكانة سوريا كمركز ومحور رئيسي في حركة الملاحة الجوية الإقليمية والدولية، ونعمل على تحويل هذا النمو إلى نمو طويل الأمد من خلال الاستثمار المستمر في البنية الفنية والموارد البشرية وتعزيز ثقة شركات الطيران العالمية بالأجواء السورية”.
إجراءات فنية وتحديث مستمر لخريطة الطرق الجوية
بالتوازي مع هذا التدفق الكثيف للطائرات، كان لا بد من مواكبة جغرافية الأجواء هندسياً وفنياً لتفادي أي اختناقات وضمان أعلى معايير السلامة.
وفي هذا السياق، كشف علاء الدين الرفاعي، مدير إدارة الملاحة الجوية، عن حزمة الإجراءات الفنية والتشغيلية الصارمة التي اتخذتها الإدارة لمواكبة هذا الزخم.
وأشار الرفاعي إلى أن الإدارة وضعت خطة مرنة لتحديث خريطة الطرق الجوية من خلال تحديث خريطة الطرق الجوية وإضافة مسارات جديدة وإجراء تعديلات على بعض المسارات القائمة بما يتناسب مع كثافة الحركة الجوية الحالية والمتوقعة.
كما تستمر أعمال تطوير وتحديث منظومات الملاحة الجوية ورفع جاهزية المراقبة الجوية بما يضمن انسيابية الحركة الجوية، وتقديم خدمات آمنة وفق المعايير الدولية المعتمدة.
الشفافية الرقمية: رسائل واضحة لصناع القرار الدولي
لم تكن هذه الأرقام لتأخذ صداها الدولي من دون استراتيجية إعلامية واضحة تعتمد لغة البيانات الدقيقة لخلق انطباع إيجابي وموثوق لدى الرأي العام الدولي ومجتمع الطيران العالمي.
وحول أهمية هذه الخطوة، تحدث مصطفى خير الله، رئيس دائرة الإعلام، مبيناً أن لمشاركة هذه الإحصائيات للرأي العام ووسائل الإعلام أهمية كبيرة لأنها تقدم مؤشرات واقعية مبنية على أرقام دقيقة تعكس حجم التطور الذي يشهده قطاع الطيران المدني السوري.
وأوضح خير الله قائلاً: “عندما نعرض أرقاماً مثل تسجيل 11801 طائرة عابرة خلال شهر أيار، فإننا لا نقدم مجرد إحصائية، بل ننقل رسالة واضحة مفادها أن الأجواء السورية تشهد عودة متسارعة للحركة الجوية وتحظى باهتمام متزايد من شركات الطيران العالمية”.
واختتم بالإشارة إلى أن هذه البيانات تسهم في تعزيز الشفافية وإبراز الجهود المبذولة في تطوير القطاع، واستعادة حضوره على المستوى الإقليمي والدولي.




