اختتمت أعمال المنتدى الاستثماري السوري – الإماراتي، والذي انعقد على مدى يومين بتنظيم من هيئة الاستثمار السورية، وبمشاركة وفد حكومي واقتصادي إماراتي رفيع المستوى، في خطوة وصفت بأنها من أبرز مؤشرات عودة الانفتاح الاقتصادي العربي على سوريا، ومرحلة جديدة من إعادة التموضع الاقتصادي والإقليمي للبلاد.
شارك في الجلسة الافتتاحية للمنتدى في يومه الثاني، ثاني بن أحمد الزيودي وعدد من الوزراء السوريين ورجال الأعمال والمستثمرين من البلدين، وبحضور السيد الرئيس أحمد الشرع، فيما تركزت فعاليات اليومين الأول والثاني على الكلمات الرسمية والجلسات الحوارية وورش العمل القطاعية التي جمعت مسؤولين ومستثمرين لمناقشة فرص الشراكة وآليات دخول السوق السورية، بالتوازي مع استعراض التسهيلات التي بدأت الحكومة السورية بتقديمها للمستثمرين.
ويعد المنتدى خطوة عملية مرتبطة بتحريك عجلة الإنتاج وخلق فرص عمل وفتح مسارات اقتصادية طويلة الأمد، في سياق توجه سوريا نحو الانفتاح على الاستثمارات العربية والأجنبية.
إصلاحات هيكلية وبيئة استثمارية مرنة
استعرض رئيس هيئة الاستثمار السورية طلال الهلالي، ملامح الإصلاحات التي أنجزت مؤخراً، مؤكداً أن سوريا لم تعد مجرد وجهة لإعادة الإعمار، بل هي أرض لبناء اقتصاد جديد بالكامل.
وتضمنت هذه الإصلاحات تفعيل مفهوم النافذة الواحدة لتسريع التراخيص، وإقرار إطار قانوني يتيح للمستثمر التملك الكامل للأسهم دون شراكة إجبارية، مع ضمان حرية تحويل الأرباح.
وكشف الهلالي عن تقديم إعفاءات ضريبية كاملة للقطاعين الزراعي والصناعي، مع تفعيل مركز التحكيم الدولي لضمان استقرار بيئة الأعمال، مشيراً إلى أن هذه الخطوات تهدف إلى تحويل سوريا إلى مركز للفرص الاستراتيجية الواعدة.
محفظة عقارية ومشاريع سيادية
وكشف الصندوق السيادي السوري عن امتلاكه محفظة عقارية تتجاوز قيمتها 2.5 مليار دولار، تضم نحو 2000 عقار.
وأوضح مدير العلاقات العامة في الصندوق، محمد مستت، أن الصندوق يركز على شراكات استراتيجية في 36 قطاعاً، أبرزها مشروع “دمشق الجديدة” الممتد على 33 مليون متر مربع، ومشروع “أرض البصة” الساحلي.
كما تتجه الأنظار نحو تطوير أبراج استثمارية في اللاذقية ومشاريع سياحية كبرى في يعفور، بالتوازي مع تحويل الأصول الحكومية غير المفعّلة إلى أدوات إنتاجية تدعم الاقتصاد الوطني وتنشط الاستثمار المحلي والأجنبي على حد سواء.
الطاقة والنقل
تصدّر قطاع الطاقة واجهة النقاشات الفنية، حيث ركزت الورشات التخصصية على فرص الاستثمار في الكهرباء والبترول والصناعات التحويلية للفوسفات لرفع قيمتها المضافة.
وفي هذا السياق، أكد الجانب الإماراتي متابعته لمشاريع إعادة تأهيل محطات التوليد وشبكات النقل.
وعلى صعيد النقل الجوي، برز إعلان عودة “طيران الاتحاد” لتسيير رحلاتها إلى دمشق بدءاً من 14 حزيران القادم كحدث مفصلي، بالتزامن مع طرح مطارات اللاذقية والقامشلي ودير الزور للاستثمار، مما يعزز الربط اللوجستي ويسهل حركة المستثمرين والجالية السورية.
نمو التجارة والتحول الرقمي
كشفت مداولات المنتدى عن متانة الروابط التجارية، حيث تجاوز حجم التبادل التجاري غير النفطي بين البلدين 1.3 مليار دولار في عام 2025.
وفي قطاع التكنولوجيا، شهد المنتدى الإعلان عن تغييرات هيكلية تشمل دخول مشغل اتصالات جديد الشهر القادم كبديل لشركة “MTN”، مع التركيز على مشاريع الألياف الضوئية والتحول الرقمي للخدمات الحكومية.
وفي السياق، استعرض المنتدى المزايا التنافسية للصناعات الدوائية السورية، التي تقل تكاليف الاستثمار فيها بنسبة تتراوح بين 40-50% عن دول الخليج، مما يفتح آفاقاً لتوأمة الغرف الصناعية بين البلدين.
شراكة استراتيجية للمستقبل
ومن المتوقع أن تستكمل الجلسات القطاعية المتخصصة والاجتماعات الثنائية بين الشركات والمستثمرين، مع التركيز على تحويل النقاشات إلى تفاهمات ومشاريع عملية، إضافة إلى لقاءات مباشرة بين رجال الأعمال السوريين والإماراتيين لبحث فرص الاستثمار، وعرض مشاريع استثمارية سورية جاهزة أمام الوفد الإماراتي.
ويأتي المنتدى في إطار التأكيد على أن الشراكة السورية – الإماراتية ليست مجرد حدث عابر، بل هي سياق طبيعي لتوجه سوريا نحو اقتصاد السوق المفتوح.
وينظر إلى هذه الخطوات كبدايات واقعية للتعافي الاقتصادي الذي يحتاج وقتاً لقطف ثماره، ضمن إطار العلاقة الأخوية المتنامية والحرص المشترك على استقرار ونمو الأسواق السورية.


