زيادة الأجور.. خطوة في مسار الإصلاح وضمانة للعدالة والاستقرار الاقتصادي

زيادة الأجور.. خطوة في مسار الإصلاح وضمانة للعدالة والاستقرار الاقتصادي

تمثّل زيادة الرواتب الأخيرة خطوة استثنائية ومحورية في مسار إصلاح الأجور وتعزيز استقرار الدولة والخدمات العامة، وتأتي هذه الزيادة في مرحلة دقيقة لتحقيق الموازنة بين تحسين معيشة العاملين وحماية القدرة المالية العامة، وضمان انتظام مؤسسات الدولة.

واتخذت المعالجة عبر مسار تدريجي بدأ من الملفات الأكثر حساسية في بنية الدولة، حيث انطلقت الزيادة من القضاء بوصفه ضمانة للعدالة والاستقرار الاقتصادي، إذ يشكل القضاء المستقر والفعّال حماية للحقوق، وأماناً للاستثمار، ومدخلاً لتعزيز الثقة بالاقتصاد.

وامتدت بعدها إلى الأجهزة الرقابية بوصفها ركيزة لحماية المال العام وحسن الأداء المؤسسي، ثم شملت القطاعات الخدمية الأكثر تماسّاً مع حياة المواطن، وفي مقدمتها التربية والصحة والتعليم العالي.

إصلاح الإجور ضمن نهج تدريجي

وفي هذا السياق، أوضح الخبير الاقتصادي سامر كعكرلي لموقع الإخبارية أن زيادة الرواتب الأخيرة تشكل خطوة ضمن مسار إصلاح تدريجي يستهدف إعادة التوازن إلى منظومة الأجور في القطاع العام.

ولذلك كان التركيز على رفع الرواتب في القطاعات ذات الحساسية العالية كالقضاء والجهات الرقابية، فهذه المؤسسات لا تُعد مجرد جهات إدارية تقليدية، بل تمثل ركائز أساسية في حماية القانون وضمان انتظام عمل الدولة وتعزيز الثقة بالمؤسسات العامة.

وأكد كعكرلي أن الدولة تبدأ عادة بالمفاصل الحساسة التي يرتبط بها ضبط النظام العام وهيبة المؤسسات، فالقضاء والرقابة يشكلان بنية الثقة في أي دولة، وأي إصلاح اقتصادي دون قضاء قوي يبقى مثل بناء مول ضخم على أرض رخوة، حسب تعبيره.

وأشار إلى أن رفع الرواتب في هذه القطاعات أقل كلفة عددياً من رفع شامل وفوري لكل القطاعات العامة، لذلك يستخدم كبداية تدريجية قابلة للاحتواء مالياً.

القضاء والرقابة ركيزة لجذب الاستثمارات

وبيّن كعكرلي أن قرار البدء بها في رفع الرواتب، له أبعاد عدة أهمها تدفق الاستثمارات سواء المحلية أو الإقليمية أو الدولية، نتيجة استقرار قطاعي القضاء والرقابة، مشيراً إلى أن المستثمر لا يسأل أولاً عن الضرائب فقط، بل يسأل: “إذا حدث نزاع .. هل سأحصل على حقي” ؟

وأكد أن أي اقتصاد دون قضاء فعال يتحول إلى بيئة عالية المخاطر، حتى لو كانت الفرص الاستثمارية كبيرة، فاستقرار القضاء يرفع الثقة بالعقود، ويشجع رجال الأعمال على التوسع بدل الاكتفاء بالاقتصاد الرمادي أو التهريب أو الاكتناز.

كما أن مكافحة الفساد الإداري تحتاج جهازاً قضائياً مستقلاً وقادراً على المحاسبة، فعندما يشعر المستثمر المحلي أو الخارجي أن القانون يطبق على الجميع، تقل الحاجة للعلاقات الشخصية والوساطات.

وأشار إلى أن الاستقرار القضائي ينعكس حتى على سعر العملة والتدفقات المالية، لأن الثقة المؤسسية جزء من الثقة الاقتصادية العامة، وبالتالي فإن تدفق الاستثمارات لسوريا سيؤدي لدوران عجلة الإنتاج وسينعكس ذلك على مستوى معيشة المواطنين.

تحسين الرواتب ورفع كفاءة المؤسسات

أما قضية زيادة أو تحسين الرواتب لكافة الموظفين، فأكد كعكرلي أنها يمكن أن تشكل مدخلاً مهماً لرفع كفاءة المؤسسات العامة وتقليل مظاهر الترهل الوظيفي، فضعف الدخل خلال السنوات الماضية أدى إلى تراجع القدرة على الاحتفاظ بالكفاءات وخلق حالة من الإحباط الوظيفي لدى شريحة واسعة من العاملين.

وبالتالي فإن تحسين المستوى المعيشي للموظف يعزز الاستقرار الوظيفي ويرفع مستوى الالتزام والإنتاجية، خاصة إذا ترافق ذلك مع تطوير إداري وربط الحوافز بالأداء والكفاءة، فالإصلاح الحقيقي لا يقتصر على زيادة الأجور فقط، بل يقوم على بناء بيئة عمل أكثر فعالية وقدرة على تقديم خدمات أفضل للمواطنين وتعزيز ثقة المجتمع بمؤسسات الدولة.

توحيد نظام الأجور.. مدخل لتحقيق العدالة والإصلاح الإداري

من جهته، أوضح الخبير الاقتصادي فراس شعبو في تصريح خاص لموقع الإخبارية، أن تعدد الرواتب يخلق فجوات داخل القطاع العام، مشيراً إلى أن الوصول إلى نظام أجور موحد من القضايا الأساسية التي تحتاجها البلاد لإعادة تنظيم القطاع العام وتحقيق العدالة الوظيفية.

وأضاف أن وجود أنظمة متعددة للرواتب والتعويضات يخلق فجوات كبيرة بين المؤسسات، ويعزز شعور العاملين بعدم العدالة، إضافة إلى صعوبة ضبط الإنفاق العام، وفي بعض الحالات، قد تنفق مؤسسات غير منتجة مبالغ تفوق ما تنفقه مؤسسات أكثر إنتاجية، ما يؤدي إلى اختلالات واضحة في توزيع الموارد والامتيازات داخل الدولة.

وأشار شعبو إلى أن النظام الموحد يعزز الشفافية والكفاءة على بناء هيكل وظيفي أكثر عدالة وتنظيماً، من خلال ربط الأجور بالمؤهلات والخبرة والكفاءة، وتعزيز الشفافية والرقابة، إضافة إلى تسهيل تنفيذ الإصلاحات الحكومية والإدارية.

إصلاح القطاع العام ضرورة مرافقة لزيادة الأجور

وأكد شعبو أن زيادة الرواتب ينبغي أن تترافق مع إصلاح حقيقي للقطاع العام، من خلال تحسين جودة الخدمات المقدمة للمواطنين، ومعالجة المشكلات الإدارية، ورفع كفاءة الأداء، فزيادة الأجور تستوجب بالمقابل تطوير مستوى الخدمة، ما يتطلب وجود رقابة ومتابعة لأداء العاملين في القطاع العام، لضمان تحقيق نتائج ملموسة تنعكس على حياة المواطنين.

التضخم والتحدي المرتبط بتمويل الزيادات

وأشار شعبو إلى الجانب الأكثر حساسية يتعلق بمخاطر التضخم، إذ إن تأثير الزيادة يعتمد بشكل أساسي على مصدر تمويلها، فإذا كانت الزيادات ممولة من موارد الدولة الذاتية ومن إيرادات حقيقية دون اللجوء إلى التمويل بالعجز أو طباعة العملة، فإن ذلك يُعد مؤشراً إيجابياً ومهماً على الاستقرار المالي.

مؤكداً أن التمويل الحقيقي مفتاح الاستقرار المالي، ويعدّ عاملاً مهماً للحفاظ على التوازن المالي ومنع اتساع العجز في الموازنة، فتجاوز الدولة لقدراتها المالية ينعكس مباشرة على الاستقرار النقدي وسعر الصرف.

وأضاف أن الفريق الاقتصادي كان مدركاً لحساسية هذه النقطة، لذلك جرى التعامل مع ملف زيادة الرواتب بحذر، بهدف تحقيق أثر معيشي إيجابي دون التسبب باضطرابات مالية أو نقدية واسعة.

أولوية القطاعات المرتبطة بحياة المواطنين

ومن جانبه، أكد الناشط المدني عبد الله الحافي في تصريح خاص لموقع الإخبارية أن جميع القطاعات العامة مهمة جداً، لكن الأولوية يجب أن تُمنح للقطاعات التي ترتبط بشكل مباشر بحياة الناس اليومية، وخاصة قطاعي التعليم والصحة، فالمهم ليس فقط استمرار الخدمات التي تقدمها الدولة، والتي هي في معظمها مجانية أو منخفضة التكلفة، بل تطوير هذه الخدمات لتواكب التطور الحاصل في العالم، وأن تكون قادرة على تقديم مستوى أفضل وأكثر كفاءة.

هجرة الكفاءات نحو القطاع الخاص

وأشار الحافي إلى أن المشكلة تكمن في أن القطاع الخاص غالباً ما يقدم رواتب أعلى وحوافز أفضل، ولذلك تنتقل الكفاءات والخبرات من القطاع العام إلى القطاع الخاص، خاصة في مجالي التعليم والصحة، ولهذا فإن تحسين الظروف المادية للعاملين في هذه القطاعات يعتبر أمراً أساسياً للحفاظ على الكفاءات وضمان استمرار الخدمات العامة بجودة أفضل.

وأوضح أن الواقع الاقتصادي الصعب وضعف القدرة الشرائية لدى السوريين يجعلان أعداداً كبيرة من المواطنين تعتمد على خدمات القطاع العام، حتى مع ضعف هذه الخدمات خلال سنوات النظام البائد، لأن الكثير من السوريين لا يستطيعون تحمّل التكاليف المالية للقطاع الخاص، لذلك من الضروري أن تكون الخدمات العامة، خصوصاً التعليمية والصحية، قادرة على المنافسة وأن تقدم مستوى أفضل للمواطنين.

الاستثمار في التعليم أساس إعادة الإعمار

وأكد الحافي أن إعادة بناء سوريا لا يمكن أن يتحقق دون استثمار حقيقي في التعليم، لأنه يشكل الأساس في بناء الإنسان والمؤسسات واستعادة الاستقرار المجتمعي، إضافة إلى الوضع الاقتصادي السيئ واستمرار الظروف الصعبة بالنسبة لكثير من السوريين يجعلان الحاجة إلى خدمات صحية وتعليمية جيدة أكثر إلحاحاً من أي وقت مضى.

لذلك، فإن قطاعي التعليم والصحة يُعدّان من أكثر القطاعات أهمية في المرحلة الحالية، ليس فقط لأنهما يقدمان خدمات أساسية، بل لأن الاستثمار فيهما يعني الاستثمار في مستقبل سوريا، وفي قدرة المجتمع على التعافي واستعادة الحد الأدنى من الاستقرار والثقة بالمؤسسات العامة.

المصدر: الإخبارية