الثلاثاء 9 شعبان 1447 هـ – 27 كانون الثاني 2026

زيارة مجلس الأمن إلى دمشق… رسالة تضامن وسيادة في المرحلة الجديدة

زيارة مجلس الأمن إلى دمشق… رسالة تضامن وسيادة في المرحلة الجديدة

شكّلت زيارة وفد من أعضاء مجلس الأمن الدولي إلى دمشق حدثاً سياسياً بارزاً، نظراً لتوقيتها ورسائلها ومضمون النقاشات التي جرت بين الوفد والسيد الرئيس أحمد الشرع، إلى جانب ما حملته الزيارة من تحول واضح في مقاربة المجتمع الدولي لسوريا بعد سنوات من التوتر والخلافات.

وشهدت الزيارة مباحثات واسعة بين الرئيس الشرع وأعضاء الوفد حول الاعتداءات الإسرائيلية على الأراضي السورية خلال الأسابيع الماضية، واعتبار هذا الملف من الأولويات المطروحة أمام المجتمع الدولي في ضوء التطورات الميدانية في الجنوب.

فرصة للتعاون الدولي

وفي هذا السياق، اعتبر الباحث السياسي والمستشار السابق في وزارة الخارجية الأمريكية حازم الغبرة أن زيارة وفد من مجلس الأمن إلى دمشق تُعدّ الأولى تاريخياً، وتحمل أهمية كبيرة على الصعيدين السياسي والدبلوماسي.

وأوضح الغبرة في حديث خاص مع موقع الإخبارية، أن سوريا كانت خلال العقود الماضية تذكر في مجلس الأمن لأسباب سلبية مرتبطة ببطش النظام البائد ودوره في زعزعة السلم الأهلي ونشر الإرهاب والمخدرات، أما اليوم فهناك فرصة حقيقية للعمل المشترك بين الحكومة السورية ومجلس الأمن.

وأشار الغبرة إلى أن هذه المرحلة تمثل فرصة عملية للعمل من أجل مستقبل أفضل للمنطقة وللشعب السوري، مضيفاً أن الزيارة تهدف إلى إصلاح العلاقة بين سوريا والأمم المتحدة بعد سنوات من الإشكالات التاريخية.

ويرى أن لقاء الوفد الميداني مع عدد كبير من المسؤولين وصنّاع القرار في دمشق يعكس هدفاً واضحاً ومعلناً للزيارة.

وأوضح الغبرة أن ملف إسرائيل يشكل قضية معقدة أمام المجتمع الدولي، إذ تمتلك إسرائيل هواجس لكنها تفتقر إلى استراتيجية واضحة للتعامل مع سوريا، بينما تقود الولايات المتحدة الاستراتيجية الدولية في هذا الملف.

وأشار إلى أن أي تعارض بين الأفعال الإسرائيلية والاستراتيجية الأمريكية يؤدي إلى إشكالات تحتاج إلى معالجة عاجلة.

ويؤكد الغبرة أن الأمم المتحدة تمتلك دوراً في فض النزاعات وتسوية الخلافات، لكنه يرى أن الدور الحاسم في المرحلة الحالية هو الدور الأمريكي، خصوصاً في ما يتعلق بملف إسرائيل، لافتاً إلى أن المنظمة الدولية لم تستطع تغيير معادلات الصراع في الشرق الأوسط بشكل فعال، ما يجعل الحاجة إلى دور أمريكي أقوى وأكثر تأثيراً ضرورياً.

واعتبر أن سوريا خلال عهد النظام البائد، كانت تعد دولة مارقة في المجتمع الدولي، لكنها اليوم تواجه فرصة حقيقية لتغيير تموضعها داخلياً وخارجياً.

وأوضح الغبرة أن الحكومة السورية تعمل على تعزيز علاقتها مع الشعب من جهة ومع المجتمع الدولي من جهة أخرى، بما يتيح فرصة للتفاعل الإيجابي مع دول العالم ودعم استقرار الدولة.

وأشار إلى أن الفرصة الحالية تمثل الأساس الذي يجب استثماره، مؤكداً أن نجاح الحكومة السورية يعتمد على التفاعل مع المجتمع الدولي ودعمه، لا على جهود الحكومة وحدها.

ويضيف المستشار السابق في وزارة الخارجية الأمريكية أن الحكومات الدولية، بقيادة الولايات المتحدة، تسعى لدعم هذه المرحلة أو على الأقل عدم عرقلة العملية، تفادياً لأي آثار سلبية قد تنتج عن تجارب الماضي.

وأكد الغبرة أن تصحيح الأخطاء السابقة بالتعاون مع الحكومة الجديدة هو أمر ضروري لضمان عدم تكرارها، مشيراً إلى أن الهدف النهائي لا يقتصر على تحويل سوريا من أزمة إلى دولة مستقرة، بل يشمل التأكد من أن البلاد لن تعود إلى خانة الأزمة مستقبلاً.

دلالات سياسية ودبلوماسية

يرى الباحث السياسي في مركز قاسيون للدراسات إبراهيم قيسون، أن زيارة وفد من مجلس الأمن إلى دمشق تحمل دلالات سياسية ودبلوماسية متعددة.

وأوضح قيسون في تصريح لموقع الإخبارية أن التوقيت الرمزي للزيارة، عند ذكرى التحرير وبعد موجة اعتداءات إسرائيلية، يعطيها طابعاً احتفائياً وشرعية سياسية، ويتيح استقبال شكاوى دمشق مباشرة وبث رسائل تهدئة أو تحذير، ضمن جولة رسمية تشمل سوريا ولبنان بقيادة رئاسة سلوفينيا للشهر الحالي.

وأشار قيسون إلى أن الزيارة لا تعني بالضرورة تحول سوريا من أزمة إلى دولة مستقرة، فهناك فرق بين التفاعل الدبلوماسي والزيارة الميدانية وبين التحول البنيوي الفعلي في وضع الدولة.

وأوضح أن أي تحول حقيقي يتطلب مؤشرات ملموسة تشمل الاستقرار الأمني الشامل، عمل مؤسسات سيادية بفعالية، قبول إقليمي واسع، وإعادة النظر في آليات العقوبات أو الرقابة الدولية.

ولفت الباحث إلى أن الرسائل السياسية التي أراد أعضاء مجلس الأمن إيصالها متعددة الطبقات: رسالة إلى دمشق لإظهار استعداد الحوار والاستماع إلى مصالحها، رسالة إلى اللاعبين الإقليميين لإعادة التأكيد على دور الأمم المتحدة كقناة رسمية لمعالجة الانتهاكات، كما أنها رسالة داخلية للأعضاء لإظهار التوافق أو الفروق في المواقف، ورسالة للجمهور السوري لتعزيز شرعية الدولة ودورها الدولي.

وعن انعكاس الزيارة على النقاشات داخل الأمم المتحدة، خصوصاً بشأن الجولان والسيادة السورية، قال قيسون إن دمشق ستعرض شكاوى رسمية ضد الانتهاكات، ما قد يرفع وتيرة المطالبة بإدانات أو فتح تحقيقات، لكن قدرة المجلس على إصدار قرارات ملزمة تبقى محدودة بسبب الانقسامات بين الأعضاء وحق النقض.

وأضاف أن الزيارة قد تفتح ملفات إنسانية أو تسهيلات وصول، وهو أثر أكثر احتمالاً من أي تغيير فوري في الوضع القانوني للجولان.

وفيما يخص المسار المتوقع بعد الزيارة، أكد قيسون أن خطوات قصيرة المدى قد تشمل إحاطات داخلية في المجلس، بيانات مشتركة أو منفصلة، ومبادرات لفتح قنوات إنسانية أو زيارات للمنظمات الأممية.

أما التعاون المباشر في ملفات التعافي وإعادة الإعمار، فقال الباحث إنه سيكون محدوداً ومرتبطاً بعوامل مثل العقوبات الدولية، مخاوف الدول الكبرى بشأن شرعية التمويل، وآليات الرقابة القانونية.

وأضاف أن المسار مستقبلاً يعتمد على ممارسات إسرائيل عند الحدود وموقف الدول الكبرى داخل المجلس، حيث يحدد هذان العاملان نطاق التعاون الممكن ومستوى استقراره.

المصدر: الإخبارية