أصدرت لجنة الأمم المتحدة للتحقيق بشأن سوريا تقريرها حول أحداث السويداء منتصف العام الماضي، كاشفة عن مشهد “نزاع داخلي معقد متعدد الأطراف شاركت فيه قوى حكومية وعشائرية ومجموعات مسلحة درزية”، إلى جانب تدخلات إسرائيلية مباشرة، وما رافقه من انتهاكات ارتكبتها مختلف الجهات في سياق تصعيد ميداني متسارع.
وتبعاً للتقرير الصادر عن لجنة التحقيق الدولية المستقلة بشأن سوريا، الجمعة 27 آذار الجاري، فإن الحكومة السورية سهلت وصول المحققين إلى مناطق الأحداث، في خطوة تعكس تعاوناً مع الجهود الدولية لتوثيق الوقائع، في وقت أظهر فيه التقرير أن مسار العنف لم يكن أحادي الاتجاه بل اتسم بتداخل القوى المحلية وتعدد مراكز القرار الميداني.
ثلاث موجات من العنف
ووفقاً لتقرير اللجنة فإن أحداث تموز اندلعت نتيجة التوترات الطائفية و”تحولت إلى ثلاث موجات مدمرة من العنف، استهدفت اثنتان منها المدنيين الدروز، والثالثة المدنيين البدو”.
شملت الانتهاكات في الموجة الأولى وفقاً للجنة “القتل والتعذيب والاحتجاز التعسفي والنهب كما تم فصل الرجال المعترف بهم كدروز عن النساء والأطفال وإعدامهم، بينما أطلق النار على آخرين في الشوارع أو قتلوا داخل منازلهم مع أسرهم”.
وأوضحت أن الموجة الثانية “بدأت في 17 تموز، وذلك بعد انسحاب القوات الحكومية وغارات جوية إسرائيلية على محافظتي السويداء ودمشق، حيث هاجمت الجماعات المسلحة الدرزية المدنيين البدو وارتكبت انتهاكات جسيمة شملت القتل والتعذيب والاحتجاز القسري والتشريد والنهب، ما أدى عملياً إلى تهجير معظم مجتمع البدو من المناطق الخاضعة لسيطرة هذه الجماعات”.
أما الموجة الثالثة بحسب اللجنة، فقد “نفذها مقاتلون عشائريون بين أواخر 17 و19 تموز، واستهدفت المدنيين الدروز انتقامياً، مع إحراق ونهب نحو 35 قرية ذات أغلبية درزية أو مختلطة، وقتل أو اختطاف عدد من المدنيين”.
وحسب اللجنة “لم يقتصر أثر التدخل العسكري الإسرائيلي والجهود السابقة الرامية إلى تقويض الحكومة وزرع الفتنة على القتل والإصابات بحسب اللجنة، ولكنها ساهمت في زعزعة الاستقرار وتصعيد اتهامات الخيانة ضد قادة المجتمع الدرزي، مع زيادة التحريض الإلكتروني على الكراهية والهجمات الانتقامية، ما أدى إلى انقسام المجتمع”.
وأوضحت اللجنة أن “النزاع أجبر ما يقارب 200 ألف شخص على النزوح من منازلهم، معظمهم من القرى الدرزية، وما يزال حوالي 155 ألف نازح غير قادرين على العودة، بينما نزح جميع سكان المجتمع البدوي تقريباً ويعيش العديد منهم في ملاجئ مؤقتة وغير لائقة منذ عدة أشهر”.
الدولة أعادت ترميم النسيج الاجتماعي
وأكدت لجنة التحقيق في تقريرها أن الدولة السورية أطلقت “مساراً للمحاسبة عبر وزارة العدل، من خلال تشكيل لجان تحقيق وطنية ومتابعة المسؤولين عن الانتهاكات، وصولاً إلى إعلان نتائج أولية خلال مؤتمر صحفي رسمي، في إطار مسار قانوني يهدف إلى تثبيت مبدأ المساءلة وعدم الإفلات من العقاب”.
واستعرض التقرير جهوداً حكومية لإعادة ترميم النسيج الاجتماعي وإصلاح ما خلفه النزاع، مع التأكيد على أن الخلاف قائم مع فئة سياسية ومسلحة محددة وليس مع أبناء الطائفة الدرزية ككل، مستشهداً بنماذج ميدانية مثل جرمانا وصحنايا التي شهدت خطوات تهدئة وإعادة ضبط العلاقات المجتمعية بعد التطورات الأخيرة.
وربطت لجنة التحقيق في تقريرها خلفيات الأحداث جغرافياً بطبيعة محافظة السويداء كمنطقة تداخل بين مكونات عشائرية وطائفية، ما جعلها عرضة لتفجر التوترات سريعاً، في ظل بيئة أمنية حساسة جنوب البلاد وتداخل خطوط النفوذ المحلي.
وأشاد التقرير بالتحركات الحكومية لضبط الوضع وفتح قنوات المساءلة وتعزيز مسارات المصالحة، في محاولة لاحتواء التداعيات ومنع تكرارها.




