أصدرت محكمة ألمانية حكماً برفض طلب تجنيس تقدّمت به امرأة من أصول كردية وُلدت في ألمانيا، وتحمل إقامة دائمة وشهادتين جامعيتين، مؤكدة أن قرار الرفض لا يرتبط بالمؤهلات العلمية أو مدة الإقامة، بل يستند إلى اعتبارات قانونية وأمنية متصلة بدعم سابق لحزب العمال الكردستاني (PKK).
واستندت المحكمة في حكمها إلى المادتين 8 و11 من قانون الجنسية الألماني، معتبرة أن أي دعم سابق لتنظيم مصنّف إرهابياً في ألمانيا والاتحاد الأوروبي يشكّل سبباً كافياً لاستبعاد التجنيس، حتى في إطار التجنيس التقديري، ما لم يثبت مقدّم الطلب تخليه الحقيقي والواضح عن هذا الدعم بأدلة ملموسة وقابلة للتحقق.
وأظهرت وقائع القضية أن مقدّمة الطلب ولدت عام 1996 داخل الأراضي الألمانية، وتحمل الجنسية التركية، وتمتلك تصريح إقامة دائمة منذ عام 2012، وأنهت في تموز 2021 دراستين جامعيتين في تخصّصي علوم الأديان وعلم الآثار.
وبحسب الحكم فإن مقدمة الطلب كانت قد تقدّمت بطلب التجنيس عام 2016، إلا أن الملف خضع لإجراءات أمنية بعد رفض طلبَي تجنيس والديها سابقاً، لوجود مؤشرات واقعية على دعمهما حزب العمال الكردستاني.
ورأت المحكمة أنه رغم تأكيد المدعية أنها تخلّت عن دعمها السابق للتنظيم، فإن التصريحات الشفهية وحدها لا تفي بمتطلبات القانون، مشددة على أن العدول عن سلوك يهدد الأمن يفترض عملية تعلّم فردية تُترجم بتصريحات واضحة وسلوك عملي يثبت الابتعاد الجلي، وعن قناعة داخلية، عن الأنشطة السابقة.
وبغياب هذه الأدلة، اعتبرت المحكمة أن شرط الولاء للنظام الدستوري الديمقراطي غير متحقق، وقضت برفض الدعوى وإلزام المدعية بتحمّل تكاليفها.
ويعد حزب العمال الكردستاني (PKK) تنظيماً مسلحاً ذا توجه قومي كردي ذي طابع يساري، برز إلى العلن في أواخر سبعينيات القرن الماضي، وتحديداً عام 1978، قبل أن يطلق تمرده المسلح المنظم ضد الدولة التركية عام 1984 بقيادة عبد الله أوجلان.
ومنذ ذلك الحين، دخل التنظيم في صراع دموي ممتد، لم تقتصر ساحاته على الأراضي التركية، بل اتسع ليشمل دول الجوار الإقليمي، ولا سيما العراق وسوريا وإيران، فضلاً عن امتداد تأثيراته المباشرة وغير المباشرة إلى الجاليات الكردية في عدد من الدول الغربية.
وخلال أكثر من أربعة عقود من العنف المسلح، أسفرت أنشطة التنظيم عن مقتل ما لا يقل عن أربعين ألف شخص من المدنيين والعسكريين، بينهم نساء وأطفال، من أعراق وجنسيات مختلفة، شملت الترك والكرد والعرب والفرس، إضافة إلى سياح عرب وغربيين.
وبسبب هذا السجل الحافل بالهجمات التي استهدفت المدنيين والانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان، صنّفت كل من تركيا والولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي وأستراليا حزب العمال الكردستاني منظمةً إرهابية.
وخلاصة القول، أنشأ حزب العمال الكردستاني شبكة إجرامية عابرة للحدود لتأمين تمويل أنشطته، تراوحت بين ابتزاز المدنيين والاستيلاء على مواردهم، والاتجار بالمخدرات، وغسل الأموال، وتهريب السلاح.
وقد أكدت تقارير يوروبول السنوية تورط التنظيم في أنشطة الجريمة المنظمة داخل أوروبا، ما دفع عدداً من الدول إلى ملاحقة عناصره قضائياً في إطار جهود مكافحة تمويل الإرهاب.
وتمثل هذه الأنشطة تحدياً أمنياً وقضائياً دولياً معقداً، يتطلب تنسيقاً وثيقاً بين عدة دول، إذ ورغم تحقيق بعض النجاحات القضائية في دول مثل فرنسا والسويد، لا يزال التنظيم يعتمد على موارده الإجرامية الواسعة لمواصلة تمرده، ما يفرض على المجتمع الدولي التعامل معه ليس فقط كفاعل سياسي عنيف، بل كشبكة إجرامية دولية تهدد الأمن والاستقرار الإقليمي والدولي.



