ساعات قليلة على إطلاق معركة ردع العدوان من يوم 27 تشرين الثاني 2024، كانت كافية لتحقيق نصر عسكري لاقى صدى مفاجئاً في معقل النظام البائد بدمشق، من خلال سقوط قطعة عسكرية استراتيجية في شمال البلاد، ما شكّل حدثاً مفصلياً من يوميات معركة التحرير.
ومع الذكرى الأولى لمعركة ردع العدوان، كان لابد من استحضار تفاصيل عملية السيطرة على الفوج 46 بالقرب من مدينة الأتارب بريف حلب الغربي، الممتد على مساحة 12 كيلو متراً، والذي صدّر الموت لسكانها على مدار سنوات، وشكّل مصدر رعب لعشرات القرى والبلدات في المناطق المجاورة.
أهمية الفوج
الفوج 46 في ريف حلب يعد أضخم القطع العسكرية المتواجدة في مناطق الشمال، ويقع على تلة مرتفعة قرب مدينة الأتارب، كما يبعد عن معبر باب الهوى نحو 20 كيلومتراً، وزادت خطورته بعد أن عمد النظام البائد، عقب استعادته السيطرة عليه عام 2020، إلى تزويده براجمات وسرايا مدفعية ودبابات، وقواعد مضادة للدروع.
وتميز بمقاره العسكرية المحصنة وخطوطه الدفاعية المتنوعة، ويعدّ حلقة وصل بين ريفي إدلب وحلب من جهة معرة النعسان، وبرزت أهميته بكونه مقر ما يعرف بـ”القوات الخاصة لعمليات الإنزال الجوي” في جيش النظام البائد.
الرقم العسكري الصعب
كان تحييد استخدام النظام البائد لقواته البرية في المنطقة رقماً صعباً أمام قوى ردع العدوان، حيث عوّل كثيراً في عملياته بريف حلب على هذا الفوج، ومن خلاله كانت تخرج الإمدادات لدعم جميع العمليات التي شنّت من قبل قواته والمليشيات الإيرانية الداعمة له.
وظلّ الفوج 46 خارج سيطرة النظام البائد حتى شباط 2020، بعدما خسره في تشرين الثاني 2012، عقب سيطرة فصائل الجيش الحر عليه، بعد حصار دام لمدة 45 يوماً، ومنذ ذلك التاريخ (شباط 2020)، كانت مناطق وبلدات محاذية للفوج ومنها الأتارب تتعرض لقصف شبه يومي.
ما الذي تغيّر؟
في 27 تشرين الثاني 2024، أعلنت المعارضة بدء معركة ردع العدوان، ولم تمر ساعات فقط حتى جرى الإعلان عن نصر كبير تمثّل في السيطرة على الفوج 46، ما طرح تساؤلات حول سبب هذا الإنجاز الميداني من حيث المكان والزمان، وسقوط الفوج بهذه السرعة، رغم تمتعه بتحصينات وإمكانات كبيرة بشرية، وعسكرية، ولوجستية، وجغرافية!
وربط الخبير العسكري العميد أحمد حمادة في حديث لموقع الإخبارية الانهيار السريع لجيش النظام البائد ومليشيات إيران بالجانب المعنوي المتناقض بين الطرفين، عبر تمتع القوات المهاجمة “بنقاط قوة لا تتوفر عند النظام وقواته”.
وتتمثل هذه القوة، وفق العميد حمادة، في “الروح المعنوية العالية والروح القتالية الكبيرة للقوات المعارضة، والإيمان المطلق بقضيتها، مقابل روح معنوية منهزمة لقوات اعتمدت لسنوات على المليشيات الإيرانية وعلى الطيران الروسي”.
كما أشار كذلك إلى “انخفاض تدخل القوة الجوية الروسية، التي كانت داعماً رئيساً لعمليات قتالية سابقة”.
عامل المفاجأة
وفي تفسيره لسهولة السيطرة كذلك، يرى الخبير العسكري أن عامل المفاجأة كان له الدور المهم، “ما شلّ قدرة الخصم بعد المفاجأة الكبيرة التي استخدمتها القوات المهاجمة”، مذكّراً أن “من يكسب المفاجأة يكسب نصف المعركة، وهذا الذي حصل بالفعل”.
وتابع: “لذلك رأينا من الساعات الأولى سقوط النظام في الفوج 46، وفي قبتان الجبل وعنجارة وأكثر من 15 قرية، وهذا ما سمح بفتح خطوط المعارضة باتجاه مدينة حلب”.
بوابة حلب
يعد الفوج 46 بوابة الدخول إلى مدينة حلب (يبعد عنها 15 كيلومتراً)، والخط الدفاعي الأول والرئيس لجيش النظام البائد ومليشيات إيران في الجهة الغربية للمدينة، لذلك تميّز بكونه أحد أعتى قطعه العسكرية تحصيناً وعتاداً، وبناء عليه وعقب تحريره، أصبح ريف المحافظة الغربي خارج سيطرة النظام بشكل كامل.
وفي هذا المجال، يؤكد العميد حمادة أن الفوج 46 كان بوابة حلب فعلاً، مشيراً إلى أنه “قريب من خطوط التماس الأولى بين قوات ردع العدوان وقوات الأسد، ويعتبر نقطة حاكمة تسيطر على السهول الغربية في حلب، وخاصة أورم الكبرى باتجاه عنجارة، ومن ثم باتجاه المناطق حتى خان العسل”.
وحول الأهمية كذلك، يضيف الخبير العسكري أن الفوج 46 “عقدة مواصلات بين حلب وإدلب، وبين حلب والريف الغربي لجهة باب الهوى، لذلك السيطرة على الفوج تعني السيطرة على مداخل مدينة حلب”.
مكاسب إضافية
تأثيرات السيطرة على الفوج 46، إضافة إلى ما سبق، طالت إمدادات قوات معركة ردع العدوان لاحتواء الفوج على مخزون عسكري من العتاد، الأمر الذي أيّده العميد حمادة، مشيراً في هذا المجال إلى اعتماد قوات ردع العدوان على “التذخير من مستودعات القطع العسكرية التي يسيطر عليها بعد طرد قوات النظام، ومن بينها الفوج 46”.
وفيما يخص الأسلحة التي كان يحتويها الفوج 46، قال العميد حمادة: إنها تشمل الأسلحة الخفيفة والدبابات والصواريخ المضادة للدروع، منوهاً بإمدادات أخرى لوجستية؛ مثل الوقود، إضافة إلى وجود مكاسب إضافية بينها حرمان النظام من القوة النارية التي كان يتمتع بها بوجود الفوج تحت سيطرته.


