دحضت التطورات الميدانية التي شهدها شمال شرق سوريا خلال الأيام الأخيرة، سردية ورواية طالما حاولت قسد ترويجها للعالم الغربي وللمجتمع المحلي، حول أهمية وجودها ودعمها كقوة قادرة ووحيدة على حماية وتأمين السجون التي تضم عناصر تنظيم داعش.
الورقة هذه استخدمتها قسد على مدار السنوات الماضية، كورقة ضغط على المجتمع الدولي، وتجاوز ذلك إلى استخدامها كورقة ابتزاز ضد التحالف الدولي المناهض للتنظيم، وضد الدولة السورية ما بعد سقوط نظام الأسد البائد.
أسئلة كثيرة بدأت تثار حالياً حول سقوط هذه السردية بعد التطورات الميدانية الأخيرة، إضافة إلى تأثير تعمد قسد إطلاق عدد كبير من سجناء تنظيم داعش على أمن سوريا، وأمن الإقليم بشكل عام.
البداية من الشدادي
حمل الجيش العربي السوري أمس الاثنين، قسد المسؤولية عن إطلاقها سراح عناصر تنظيم داعش من سجن الشدادي بريف الحسكة، مؤكداً أنه سيقوم بما يلزم لإعادة ضبط المنطقة، لتبدأ قوات الجيش عقب ذلك بدخول الشدادي.
وفي سبيل تدارك ما أقدمت عليه قسد، عمدت وحدات الجيش وفق ما أعلنته هيئة العمليات في وقت سابق، إلى تأمين سجن الشدادي ومحيطه بالإضافة إلى تمشيط المدينة وما حولها بهدف إلقاء القبض على السجناء المنتمين للتنظيم الذين أطلقت قسد سراحهم.
وشددت هيئة العمليات في هذا الإطار، على أنه سيجري تسليم سجن الشدادي والمرافق الأمنية في المدينة لوزارة الداخلية فوراً، وذلك بعد الانتهاء من عمليات التأمين والتمشيط.
قطع الطريق
ما بعد الشدادي، أكدت وزارة الداخلية، مساء الإثنين 19 كانون الثاني، استعدادها لتسلم إدارة وتأمين سجون عناصر تنظيم داعش في محافظة الحسكة، وفق المعايير الدولية المعتمدة، وبما يضمن منع أي خرق أمني أو محاولات فرار.
وقالت الوزارة في بيان رسمي، إن هذا التأكيد يأتي في ضوء التطورات الميدانية الأخيرة وما رافقها من محاولات تضليل إعلامي وتوظيف سياسي لملف معتقلي التنظيم، مشددةً على أن أمن المواطنين وحماية السلم الأهلي ومنع عودة الإرهاب تمثل أولوية وطنية قصوى.
وأعلنت الوزارة في بيانها أيضاً، استعدادها للتنسيق المباشر مع الجانب الأمريكي في إطار الجهود المشتركة لمنع عودة الإرهاب وضمان أمن المنطقة واستقرارها.
بدورها، أكدت وزارة الدفاع أن أولويتها هي مكافحة تنظيم داعش، رافضة استغلال ملف السجناء كرهائن أو أوراق مساومة سياسية من قبل قيادة قسد، لما يبثه ذلك من فوضى وزعزعة للاستقرار.
مماطلة متعمدة ونتائجها
بيان وزارة الداخلية، أعقبه اليوم، الثلاثاء 20 كانون الثاني، تأكيد الحكومة السورية أنها أخطرت رسمياً الجانب الأمريكي منذ ليلة أمس، بنية قسد الانسحاب من مواقعها في محيط مخيم الهول بريف الحسكة، مشددة على “ضرورة التحرك الفوري لتدارك أي فجوة أمنية”.
ولفتت إلى أنها رصدت مماطلة متعمدة من قبل قسد في إتمام عملية التسليم، رغم وضوح الترتيبات وحساسية التوقيت، ما يشير إلى محاولة لخلط الأوراق وتصدير أزمة أمنية جديدة للمنطقة.
وحملت الحكومة السورية قيادة قسد المسؤولية عن أي تداعيات تنتج عن هذا التأخير المتعمد، مؤكدة أنها لن تسمح بأي فراغ أمني يهدد سلامة المنطقة.
كيف أسقطت قسد “سرديتها”؟
يرى الباحث في الفلسفة السياسية بجامعة باريس، رامي الخليفة العلي، أن “تقديم قسد باعتبارها حليف المجتمع الدولي في مواجهة التنظيمات الإرهابية على رأسها داعش، فقد قيمته منذ انضمام سوريا إلى التحالف لمواجهة داعش”.
ويتابع العلي في حديث لموقع الإخبارية، أنه “ومنذ ذلك الحين، كان الهدف أن تقوم الدولة السورية بمهامها فيما يتعلق بالسجناء التابعين للتنظيم، أو فيما يتعلق بالعمليات التي تقوم بها على الأرض”.
ويشير في هذا السياق، إلى أن انضمام سوريا للتحالف الدولي “ليس فقط اتفاق، وإنما جرى تطبيقه على الأرض وفي أكثر من مكان، وكان هناك تعاون قائم بالفعل على قدم وساق”.
تعامل لا مسؤول
يشدد الباحث العلي، على أن ورقة قسد التي روجت على أنها الطرف الوحيد الذي يقوم بمقاومة التنظيمات الإرهابية “فقدت قيمتها تماماً عندما تعاملت بلا مسؤولية مع سجن الشدادي الذي كان يضم عناصر من داعش”.
وحول تأثيرات إطلاق سراح عناصر للتنظيم من السجون، يرى العلي أن له “تأثيراً سلبياً على أمن واستقرار البلاد”، مبيناً أن الدولة السورية لديها الخبرة ولديها القدرة في التعامل مع هؤلاء والدليل سرعة الجيش السوري بالقبض على الهاربين من سجن الشدادي.
يتابع العلي، “منذ سقوط الأسد كان هناك توافق على أن تقوم سوريا بحماية أمنها ثم بالمساهمة في حماية منطقة الشرق الأوسط كلل، لأن هذه التنظيمات عابرة للحدود، وبالتالي بموجب التصريحات، واللقاءات التي تتم بين الجانبين السوري والأمريكي، أعتقد أن هناك تفاهما وتعاونا في هذا المجال”.
ويشير العلي في هذا السياق، إلى أن هذا التعاون يضم أطرافاً أخرى سواء العراق أو تركيا أو السعودية، وبالتالي فإن “مكافحة الإرهاب ومكافحة تنظيم داعش تمثل نقطة توافق ما بين واشنطن ودمشق”.
ما الرأي القانوني؟
جريمة إطلاق سراح عدد كبير من سجناء تنظيم داعش، وبشكل متعمد، وصفها نقيب المحامين السابق في محافظة دير الزور دحام المنادي، بالجريمة وفق التوصيف القانوني”.
يؤكد المنادي لموقع الإخبارية، أن ما فعلته قسد، كان خارج منظومة القضاء السوري وخارج الاتفاق الموقع بين قسد والدولة السورية، لافتاً إلى أن القانون السوري يشير بشكل طبيعي إلى أن “السجون تابعة للدولة ممثلة بوزارتي العدل والداخلية، والحفاظ عليها هو حمايتها من واجباتها”
يوضح النقيب السابق لمحامي دير الزور، أن القوى المسيطرة هي المسؤولة عن أي تصرف في مناطق سيطرتها، وفق قواعد القانون الدولي والإنساني، ومسؤولة مباشرة أمام القانون السوري.
ويختم المنادي حديثه بالإشارة إلى أن جريمة إطلاق عناصر تنظيم داعش أسقطت رواية قسد حول أنها القوة القادرة على حماية سجون تضم عناصر التنظيم، وثبت أن هذه السردية وهم وخيال وشماعة.



