لم تكن دير الزور مجرد مدينة عابرة في مسار الثورة السورية، بل كانت واحدة من ساحاتها الأكثر اشتعالاً وتأثيراً، فمنذ الأيام الأولى، تحولت شوارعها وأحياؤها إلى مسرح للاحتجاجات الكبرى، قبل أن يجعلها النظام البائد ساحة حرب.
وبين ذاكرة المظاهرات الأولى وخراب السنوات اللاحقة، يحتفظ أبناء المدينة بروايات حية تكشف كيف بدأت الشرارة، وكيف حاولت سلطة النظام البائد إخمادها بالقوة، وكيف دفعت دير الزور ثمناً باهظاً ظل محفوراً في وجدان أهلها حتى اليوم.
وفي هذا السياق، يعرض موقع الإخبارية شهادتين حصريتين من اثنين من أبناء دير الزور ممن شاركوا في الثورة السورية منذ أيامها الأولى، موثّقين مراحل الانطلاق والتصعيد والتحولات العسكرية والسياسية، وصولاً إلى سنوات السيطرة المتعاقبة وما خلفته من آثار عميقة على المدينة وأهلها.
شرارة الثورة والمظاهرات
يروي الكاتب والصحفي فراس علاوي أن الأجواء العامة في دير الزور كانت مهيأة للانفجار، ومع انطلاق مظاهرات درعا خرج أبناء المدينة في 25 آذار 2011 من عدة مساجد أبرزها مسجد عثمان بن عفان وجامع الصفا، وسرعان ما توسعت المظاهرات لتشمل الريف، وبلغت ذروتها في “الجمعة العظيمة” حين سيطر المتظاهرون على ساحة الباسل وحطموا تمثال باسل الأسد.
ويصف علاوي مظاهرات دير الزور بأنها من الأكبر في سوريا، إذ شارك فيها عشرات وربما مئات الآلاف في جمعات مثل “أحفاد خالد” و”سقوط الشرعية”، كما شهدت المدينة بدايات الاعتصامات في مسجد عثمان بن عفان ودوار المدلجي.
تصاعد العنف
ومع تصاعد الثورة، تعرضت المدينة وريفها لحملات عسكرية عنيفة أسفرت عن سقوط أول شهيد، الطفل معاذ الركاض، في “جمعة أطفال الحرية” في حزيران 2011، لتتوالى بعدها أعداد الشهداء، كما شهدت دير الزور مجازر بارزة مثل الجورة والقصور في أيلول 2012، ومجزرة المراقبين العرب في كانون الثاني 2012، إضافة إلى حصار خانق فرضه النظام.
المشهد العسكري
بدأ الجيش السوري الحر نشاطه مبكراً، وأُعلن تشكيل المجلس العسكري مطلع 2012، لتشهد المحافظة مواجهات كبرى أبرزها “ملحمة الرصافة” في 18 آذار 2012، ثم إسقاط أول طائرة ميغ في موحسن في آب من العام نفسه، وبحلول 2013 كانت المعارضة قد سيطرت على أكثر من 90 بالمئة من المحافظة.
مرحلة داعش وتقاسم النفوذ
لكن هذا الواقع تغيّر مع سيطرة تنظيم داعش منتصف 2014 حتى 2017، قبل أن تنقسم السيطرة بين النظام المدعوم روسياً غرب الفرات، و”قسد” المدعومة أمريكياً شرق النهر، وهو وضع استمر حتى سقوط النظام في كانون الأول 2024.
زخم ثوري مبكر
من جهته، يؤكد الصحفي والباحث في العلوم السياسية والعلاقات الدولية أحمد الجنيد أن دير الزور التحقت مبكراً بالثورة وشهدت زخماً كبيراً، مشيراً إلى أنها نالت نصيبها من قمع النظام البائد وأجهزته، ومرت بمراحل معقدة، أبرزها مجزرة الجورة والقصور، ويصف الفترة بين 2014 و2017 بأنها الأكثر قسوة مع سيطرة داعش والحصار الخانق على المدنيين.
تضحيات دير الزور
ويشير الجنيد إلى أن تعاقب السيطرة أنهك المدينة، التي قدمت خيرة شبابها وبرز منها رموز عديدة مثل خليل بورداني ومحمد فياض العسكر “شمس الدير”، فيما تعرضت لدمار تجاوز 80 بالمئة من بنيتها، ولم يكن الريف أفضل حالاً.
وتعكس هذه الشهادات صورة مدينة لم تكن يوماً على هامش الأحداث، بل كانت حاضرة في كل مراحل الثورة، من الاحتجاج السلمي إلى المواجهة العسكرية، ومن الأمل بالنصر إلى سنوات القهر والدمار.
وبينما تختزن الذاكرة الجمعية لأهلها حجم التضحيات، يبقى واقعها اليوم شاهداً على كلفة الصراع وعلى قدرة مدينة أنهكها الخراب أن تتمسك بما تبقى من إرادة الحياة، بانتظار مرحلة تعيد إليها أمنها واستقرارها وكرامتها.



