مع اقتراب موعد انطلاق الجلسة الأولى لمجلس الشعب في سوريا، يعقد السوريون آمالاً واسعة على مجلسهم الذي استعاد دوره بعد عقود طويلة من القمع والطغيان، ولا سيما في العهد الجديد للبلاد التي تحررت كلياً من النظام البائد ومؤسساته القمعية.
ويُعوّل السوريون على مجلس الشعب الذي يمثلهم، في ترسيخ دولة المؤسسات والقانون وتعزيز التمثيل الشعبي، والمساهمة في رسم ملامح المرحلة المقبلة.
حيث لم يكن المجلس يوماً مجرد مؤسسة تشريعية عابرة، بل كان انعكاساً مباشراً لتاريخ سياسي مضطرب تعاقبت فيه الانقلابات وتبدلت فيه موازين السلطة، وهو ما أعاد الحديث عن مستقبل السلطة التشريعية وكيف يمكن بناء برلمان يعكس إرادة السوريين، بعد عقود من الجدل حول استقلالية المؤسسة التشريعية.
بداية الحياة النيابية
بعد جلاء القوات الفرنسية عن سوريا في 17 نيسان 1946، بدأت الدولة بناء مؤسساتها الدستورية، وكان البرلمان في مقدّمة هذه المؤسسات، ورغم أن البلاد عرفت مجالس نيابية قبل الاستقلال فإن مرحلة ما بعد الاستقلال شهدت انطلاق أول تجربة برلمانية وطنية حديثة.
اتسمت تلك المرحلة بتعددية سياسية واسعة، وبرزت أحزاب مثل الحزب الوطني وحزب الشعب ولاحقاً حزب البعث العربي الاشتراكي، إلى جانب شخصيات سياسية مستقلة.
وكان مجلس النواب يتمتع بصلاحيات تشريعية ورقابية، إذ ناقش مشاريع القوانين وأقر الموازنات واستجوب الحكومات، وشارك في رسم السياسات العامة للدولة.
هذه التجربة الديمقراطية لم تدم طويلاً، إذ دخلت البلاد عام 1949 دوامة من الانقلابات العسكرية، بدأت بانقلاب حسني الزعيم ثم سامي الحناوي، وصولاً إلى أديب الشيشكلي، وهو ما ألقى بظلاله على الاستقرار السياسي وأضعف مسار الحياة البرلمانية ومؤسسات الحكم.
فترة الوحدة مع مصر
ومع قيام الوحدة بين سوريا ومصر عام 1958، دخلت البلاد مرحلة جديدة حيث حُلّ البرلمان وألغيت الأحزاب السياسية وانتقلت السلطة التشريعية إلى مؤسسات الجمهورية العربية المتحدة، بينما أصبحت القرارات تصدر من القاهرة، لتنتهي بذلك التجربة البرلمانية مؤقتاً.
وسرعان ما انهارت الوحدة بعد انقلاب حزب البعث العربي الاشتراكي عام 1961، وعاد مجلس الشعب السوري إلى الحياة السياسية، واستمر في العمل بهذا الشكل حتى حله في انقلاب ثان تبناه حزب البعث في آذار 1963، وظلت البلاد تدار عبر المراسيم العسكرية 8 سنوات.
انقلاب على الشرعية
ومنذ أن قاد حافظ الأسد انقلاباً عسكرياً في عام 1970، حين كان وزير الدفاع آنذاك، تمهيداً لاغتصاب السلطة، لتبدأ مرحلة جديدة بتعزيز نفوذ المؤسسة الأمنية والحزبية من خلال الاستحواذ على جميع السلطات التشريعية بيد النظام البائد.
وفي عام 1973، عدل حافظ الأسد الدستور وألغى الدور المركزي لمجلس النواب حينها وأتاح لحزب البعث أن يكون “القائد للدولة والمجتمع”، من خلال المادة الثامنة في تعديلات الدستور، ما منحه موقعاً مهيمناً على الحياة السياسية ومفاصل الدولة، وبذلك جعل مجلس الشعب أداة بيده إلى جانب المؤسسات العسكرية والأمنية التي تخضع لسلطة الحزب الحاكم.
أداة بيد الطاغية
وخلال حكم الأسدين، الأب والابن، حوّل النظام البائد مجلس الشعب من سلطة تشريعية ورقابية إلى أداة لتكريس سياساته القمعية وتمرير تشريعاته، حتى غدا يوصف بـ”مجلس التصفيق”، بعد أن فقد استقلاليته والهدف الذي أسس لأجله.
واعتمد النظام البائد على معايير الولاء السياسي والحزبي في تعيين أعضاء المجلس على مدى أكثر من خمسة عقود، ما جعل غالبية القوانين والقرارات تمرّر دون رقابة أو معارضة حقيقية، ما أسهم في إضفاء غطاء تشريعي على سياسات حدّت من الحريات ورسّخت هيمنة السلطة، الأمر الذي أفقد المجلس شرعيته ودوره بوصفه ممثلاً للشعب.
استفاد النظام البائد من هيمنته على السلطة التشريعية في مختلف مناح الحياة السياسية والأمنية، عبر التلاعب بمواد الدستور لصالح حكمه، ولا سيما حين عدّل المادة (83) من الدستور من خلال مسرحية تشريعية في أروقة مجلس الشعب، والتي أتاحت لبشار بتسلّم الحكم.
مجلس تصفيق
ومع اندلاع الثورة السورية المباركة في 18 آذار 2011، بعد عقود من القمع السياسي وقتل الحريات العامة وسياسات الاعتقال والتضييق على المعارضين، وهيمنة عصابة النظام البائد على مؤسسات الدولة، استخدم مجلس الشعب أداةً في يد النظام البائد من خلال التصفيق لدور القاتل وتجاه الدماء التي سالت في عموم البلاد.
استغل بشار الأسد المخلوع أروقة مجلس الشعب لتمرير مراسيمه الدموية التي تشرع له استخدام جميع أدوات القتل للقضاء على ثورة السوريين، حيث كانت أصوات التصفيق والضحك تملأ تلك الجلسات التي شرعنت فعلياً قتل الشعب الثائر برعاية مجلسه الذي فقد دوره كلياً وتحول إلى أداة هزيلة للقمع لمصلحة الطاغية.
وبالفعل، مرر الأسد الهارب مئات المراسيم والقوانين القمعية عبر مجلس الشعب (التصفيق)، للقضاء على الثورة السورية وزيادة في التضييق على أنفاس السوريين، أبرزها قانون الإرهاب الذي أسس لـ “محكمة الإرهاب”، والتي استخدمت لمحاكمة وإعدام المعارضين بتهم فضفاضة، إضافة لسن مراسيم اقتصادية أتاحت مصادرة أموال وأملاك المعارضين، إلى جانب قوانين أتاحت ملاحقة المزيد من السوريين واستخدامهم لصالح آلة القتل الأسدية، كقانون التجنيد الإجباري والاحتياط وغيرها.
مجلس شعب يليق بسوريا الجديدة
ومع دخول سوريا عهدها الجديد منذ سقوط النظام البائد وانتصار الثورة السورية في 8 من كانون الأول 2024، بدأ المجلس يستعيد دوره الحقيقي في المعادلة السياسية بوصفه إحدى ركائز بناء الدولة، والمؤسسة الأهم التي تمثل الشعب وتنصفه وتحافظ على حقوق المواطنين.
غير أن السوريين اليوم، يترقبون بشدة انطلاق الجلسة الأولى لمجلس الشعب، الذي سيكون للمرة الأولى منذ عقود طويلة مجلساً حراً يليق بسوريا الحرة التي دفع السوريين لأجلها الأرواح والدماء.
المهام التشريعية
وكان الرئيس الشرع صدّق، في 13 آذار 2025، على الإعلان الدستوري، الذي تضمن في أحد مواده أن يكون مجلس الشعب هو السلطة التشريعية في البلاد.
كما أصدر الرئيس الشرع المرسوم الرئاسي رقم (66) لعام 2025، في حزيران الماضي، القاضي بتشكيل “اللجنة العليا لانتخابات مجلس الشعب” برئاسة محمد طه الأحمد، حيث كلف المرسوم اللجنة العليا بالإشراف على تشكيل هيئات فرعية ناخبة، حيث تنتخب تلك الهيئات ثلثي أعضاء المجلس.
وحدد الإعلان الدستوري الذي صادق عليه الرئيس الشرع العام الماضي، نظام مجلس الشعب السوري وصلاحياته، بما يلي:
• لا يجوز عزل عضو مجلس الشعب إلا بموافقة ثلثي أعضائه.
• يتمتع عضو مجلس الشعب بالحصانة البرلمانية.
• يتولى مجلس الشعب السلطة التشريعية حتى اعتماد دستور دائم، وإجراء انتخابات تشريعية جديدة وفقا له.
• مدة ولاية مجلس الشعب 30 شهرا قابلة للتجديد.
• يؤدي أعضاء مجلس الشعب القسم أمام رئيس الجمهورية، وتكون صيغة القسم “أقسم بالله العظيم أن أؤدي مهمتي بأمانة وإخلاص”.
• ينتخب مجلس الشعب في أول اجتماع له رئيسا ونائبين وأمينا للسر، ويكون الانتخاب بالاقتراع السري وبالأغلبية، ويرأس الجلسة الأولى لحين الانتخاب أكبر الأعضاء سنا.
• يعد مجلس الشعب نظامه الداخلي في شهر من أول جلسة له.
كما حدد مهام المجلس في ما يلي:
• اقتراح القوانين وإقرارها.
• تعديل أو إلغاء القوانين السابقة.
• المصادقة على المعاهدات الدولية.
• إقرار الموازنة العامة للدولة.
• إقرار العفو العام.
• قبول استقالة أحد أعضائه أو رفضها أو رفع الحصانة عنه وفقا لنظامه الداخلي.
• عقد جلسات استماع للوزراء.
• يتخذ مجلس الشعب قراراته بالأغلبية.



