“لن أفقد الأمل.. إنها سوريا العظيمة وليست سوريا الأسد”، واحدة من العبارات التي خلدتها الثورة السورية، لقائلتها الفنانة الراحلة مي سكاف.
تحل اليوم الذكرى الثامنة لرحيلها، بعدما ارتبط اسمها بمواقفها المنحازة لخيار الشعب السوري في الحرية، إلى جانب مسيرتها الفنية التي امتدت لعقود في الدراما السورية.
نشأتها وحياتها الفنية
وُلدت مي سكاف في دمشق عام 1969، ودرست الأدب الفرنسي في جامعة دمشق، لكن شغفها بالمسرح قادها إلى عالم التمثيل مبكراً، إذ بدأت خطواتها الأولى من المسرح الجامعي، قبل أن تلفت أنظار المخرجين بموهبتها وحضورها الهادئ.
وشاركت في العديد من الأعمال التلفزيونية والسينمائية، وبرز اسمها في مسلسلات تاريخية واجتماعية، من أبرزها “العبابيد” و”الفوارس” و”ربيع قرطبة” و”طوق الأسفلت”، كما شاركت في أفلام مثل “صهيل الجهات” و”صعود المطر”.
لم تكن من الفنانات اللواتي يبحثن عن البطولة المطلقة، بل عرفت بقدرتها على أداء الشخصيات المركبة، حتى أصبحت من الأسماء المألوفة في الدراما السورية.
مي سكاف تنحاز للشعب
رغم إدراكها أن الفنان غالباً ما يعيش بين الأضواء، وأن الشهرة تمنحه مساحة للابتعاد عن الصدامات، فإنها اختارت طريقاً آخر بالنسبة إليها، لم يكن الصمت خياراً، ولم يكن الفن منفصلاً عن الإنسان الذي يعيشه، لذلك انتقلت من دور الممثلة التي تجسد حكايات الآخرين إلى شخصية خالدة في ذاكرة كثير من السوريين.
وفي لحظة كانت فيها دمشق تعيش أياماً مثقلة بالخوف والانتظار، ظهرت الفنانة الراحلة مي سكاف في مكان لم يعتد الجمهور أن يراها فيه، لم تكن أمام كاميرا تصور مشهداً درامياً، ولم تكن ترتدي شخصية كتبتها يد مؤلف، بل كانت تقف بوجهها الحقيقي بين أصوات المحتجين في شوارع دمشق، تحمل موقفاً تعرف أن ثمنه قد يكون باهظاً.
مواقف مشرفة
مع انطلاق الثورة السورية عام 2011، وجدت مي سكاف نفسها أمام خيار لم يكن فنياً، بل أخلاقياً وإنسانياً، فاختارت أن تخرج من الشاشة إلى الشارع، وأن يكون صوتها حاضراً بين المتظاهرين، لا بين شخصيات المسلسلات فقط.
وشاركت في “مظاهرة المثقفين” بدمشق في 13 تموز 2011، واعتُقلت إثر هذه المشاركة، قبل أن يخلى سبيلها بعد أيام، ثم أحيلت قضيتها إلى محكمة الإرهاب.
وبعد أقل من أسبوع، عادت للمشاركة في اعتصام نسائي للمطالبة بالإفراج عن المعتقلين، في رسالة واضحة بأنها لن تتراجع عن موقفها.
ولم يكن موقف مي سكاف مجرد تصريح إعلامي، بل كلفها الكثير، فقد تعرضت للاعتقال مرة أخرى عام 2013، وتراجعت مشاركاتها الفنية، ثم اضطرت إلى مغادرة سوريا بعد تصاعد الملاحقات الأمنية، متنقلة بين الأردن وفرنسا.
وهناك تركت خلفها بيتها واستقرارها ومسيرتها الفنية التي استغرقت سنوات طويلة لبنائها، وخسرت حضورها الطبيعي في الدراما السورية، وابتعدت عن الكاميرات، لكنها لم تتخلَّ عن قناعاتها، وظلت تشارك في الفعاليات والوقفات التضامنية مع السوريين في المنفى.
سوريا العظيمة
ارتبط اسم مي سكاف بعدد من العبارات التي عكست مواقفها، ومن أشهرها قولها أثناء التحقيق معها: “لا أريد لابني أن يحكمه ابن بشار الأسد”.
وقبل وفاتها بيومين فقط، كتبت آخر رسالة لها على صفحتها في “فيسبوك”: “لن أفقد الأمل.. لن أفقد الأمل.. إنها سوريا العظيمة وليست سوريا الأسد”.
وتحولت هذه الكلمات إلى وصيتها المعنوية، وظلت تتردد كلما ذُكر اسمها.
حضورها في ذاكرة السوريين
وبسبب مواقفها المشرفة، أطلق عليها كثير من السوريين عدة ألقاب، منها “أيقونة الثورة السورية”، و”الفنانة الحرة”، و”الفنانة الثائرة”.
لم تكن هذه الألقاب نتيجة دور درامي أو جائزة فنية، بل جاءت تقديراً لسيدة اختارت أن تدفع ثمن موقفها من حريتها واستقرارها ومستقبلها المهني.
وفي 23 تموز 2018، رحلت مي سكاف في باريس عن عمر ناهز 49 عاماً، بعد سنوات من مغادرتها سوريا إثر الملاحقات الأمنية.
غابت الفنانة، لكن بقيت صورتها في ذاكرة كثير من السوريين بوصفها امرأة لم تكتفِ بتجسيد الشخصيات على الشاشة، بل عاشت قناعاتها في الواقع، ودفعت ثمنها حتى آخر يوم من حياتها.
مساعٍ لاستعادة رفاتها
وفي أيار 2025، أعلن نقيب الفنانين السوريين مازن الناطور أن النقابة تعمل، بالتنسيق مع عائلة الفنانة الراحلة مي سكاف، على استعادة رفاتها من فرنسا لدفنها في سوريا، مؤكداً أن الخطوة تأتي وفاءً لمسيرتها الفنية ومواقفها، ورغبة في أن توارى الثرى في وطنها.
بهذه السيرة المشرفة تحولت مي سكاف من نجمة في الدراما السورية إلى واحدة من أبرز الشخصيات الفنية التي ارتبط اسمها بمواقفها، لتبقى حاضرة في ذاكرة جمهورها بما تركته من أعمال فنية ومواقف إنسانية وسياسية.


