ما تزال الألغام ومخلفات الحرب تمثل أحد أبرز مصادر الخطر المستمر في البلاد، في ظل انتشارها في مساحات واسعة وتأثيرها المباشر على حياة المدنيين.
ومع الفيضانات الأخيرة التي شهدتها المنطقة الشرقية، تفاقم هذا الخطر بعد انجراف الألغام من مواقعها وظهورها على سطح التربة، ما وسّع نطاق تهديدها ووضعها في متناول السكان، وفرض واقعاً أكثر تعقيداً يتطلب استجابة عاجلة ومنظّمة.
وفي هذا السياق، أوضح مدير إدارة الإزالة في المركز الوطني لمكافحة الألغام ومخلفات الحرب رائد الحسون، أن الجهات المختصة تتابع عن كثب تداعيات الفيضانات الأخيرة، مشيراً إلى أن السيول لم تقتصر على كشف الألغام المدفونة، بل أسهمت أيضاً في نقلها من مواقعها الأصلية، ما أدى إلى ظهور بؤر تلوث جديدة وانتشار غير متوقع لهذه المخلفات في مناطق مختلفة.
وبيّن الحسون أن الوزارة تعمل بالتعاون مع المركز الوطني ضمن خطة استجابة شاملة للتعامل مع الألغام ومخلّفات الحرب على مستوى البلاد، لافتاً إلى أن المرحلة الحالية تشهد تنسيقاً مكثفاً مع الشركاء المحليين والدوليين، بهدف تعزيز الجهود الميدانية وتوجيه المنظمات المختصة نحو المناطق الأكثر تضرراً، مع السعي لتأمين الدعم اللازم لمواجهة هذا التحدي المتفاقم.
وأكد أن تحديد أولويات التدخل يتم وفق معايير واضحة تشمل الكثافة السكانية وطبيعة استخدام الأراضي، سواء كانت زراعية أو مخصّصة لإعادة تأهيل البنية التحتية، ما يسمح بتوجيه الجهود نحو المواقع الأكثر عرضة للخطر والأشد تأثيراً على حياة المدنيين.
وفي تعليق على المشاهد التي أظهرت أطفالاً يتعاملون مع الألغام بشكل مباشر، وصف الحسون هذه الحادثة بأنها “صادمة”، مشدداً على أن هذا الواقع يعكس حجم التحدي في مجال التوعية المجتمعية.
ودعا في هذا الإطار إلى تكاتف الجهود بين الجهات الرسمية والمجتمعات المحلية، بما في ذلك المدارس والأهالي، لنشر رسائل التحذير وتعزيز ثقافة الابتعاد عن الأجسام المشبوهة، ما يسهم في تقليل عدد الضحايا إلى الحد الأدنى.
وفيما يتعلق باستجابة السكان، أشار إلى وجود مستوى استجابة “مقبول نسبياً” من قبل الأهالي للتعليمات والإرشادات، إلا أن الحاجة لا تزال قائمة لتعزيز هذا الالتزام، وخاصة فيما يتعلق بالإبلاغ عن الأجسام الخطرة وتجنب الاقتراب من المناطق الملوثة، لما لذلك من دور أساسي في الحد من الحوادث.
أما على صعيد حماية المزارعين، وخصوصاً مع اقتراب موسم الحراثة، فقد أكد مدير المركز الوطني لمكافحة الألغام ومخلّفات الحرب أن الإجراءات تتركز على تكثيف حملات التوعية في المناطق المتضررة، بالتوازي مع إرسال فرق المسح غير التقني لتحديد مواقع التلوث بدقة، تمهيداً للتعامل معها وفق الأولويات المعتمدة، بما يضمن تقليل المخاطر المرتبطة باستخدام الأراضي الزراعية.
وفي ظل هذا الواقع، لم تعد الألغام ومخلّفات الحرب خطراً ثابتاً، بل تهديداً متجدداً يتفاقم مع الكوارث الطبيعية ومع توسع انتشارها في أماكن غير متوقعة، ما يبرز الحاجة إلى تسريع الاستجابة الميدانية وتعزيز التوعية، فيما يبقى التزام السكان بالإرشادات عاملاً أساسياً للحد من الضحايا.



