شكلت الصحافة الرقمية ولا سيما منصتي “فيسبوك” و”يوتيوب” عاملاً أساسياً في مسيرة الثورة السورية، بل كادت تكون طوق نجاة حين اعتمد عليها السوريون في إيصال صوتهم ونقل الحقيقة إلى العالم، في وقت كان النظام البائد يختطف الإعلام ويستخدمه في تزييف الحقائق لمنع وصول الأصوات الثائرة ضده.
تنظيم الاحتجاجات
برز الإعلام الرقمي عبر وسائل التواصل الاجتماعي وخاصة “فيسبوك” ومنصة نشر الفيديو “يوتيوب” كفاعل رئيس في ثورات الربيع العربي في عام 2011، مثل تونس ومصر، وحفزت هذه التجارب الناشطين في سوريا على اعتماد تلك الوسائل في مواجهة إعلام رسمي تهيمن عليه السلطة كلياً، فمنذ شباط 2011، تمكن مستخدمو الإنترنت في سوريا للمرة الأولى من استعمال “فيسبوك” و”يوتيوب” من دون الحاجة إلى “البروكسي”، وشهد ذلك العام التجارب الأولى لتنظيم أول احتجاجات مناوئة لنظام البعث، حيث وجهت دعوات إلى “يوم غضب” بعد صلاة الجمعة، 4 شباط، في كل المدن السورية.
وحقق “فيسبوك” أول تأثير موثق في دفع الجمهور إلى الاحتجاج السلمي ضد النظام، عندما تجمع مواطنون في سوق الحميدية بدمشق بتاريخ 15 آذار 2011 استجابة لدعوات صفحات مناهضة لحكم الأسد، وتعزز هذا الدور أكثر عند نشر أول فيديو للاحتجاجات في مدينة درعا في 18 آذار وهو التاريخ الذي مثل بوادر اندلاع أول ثورة ستسقط إلى الأبد نظاماً جثم على كرسي الحكم لأكثر من نصف قرن.
ومنذ ذاك الوقت، تطورت المنفعة مما توفره ثورة التكنولوجيا من ميزات مثل التفاعل وسرعة الانتشار وتعدد الوسائط وإمكانية المشاركة، كما أتاحت وسائل الاتصال الحديثة أدوات بسيطة وسهلة الإخفاء عوضاً عن الكاميرات وعربات البث الفضائي عالية التكاليف وصعبة النقل، ومع تلك التكنولوجيا توسعت رقعة الاحتجاجات من درعا في جنوب البلاد وامتدت إلى مدن وبلدات جديدة تأثراً بالصور الحية لقمع الأجهزة الأمنية للمتظاهرين.
التنسيقيات
وفي وقت مبكر من انطلاقة الثورة، ظهرت تنسيقيات محلية في المدن والبلدات التي شهدت حراكاً ثورياً وهي عبارة عن صفحات على “فيسبوك” تتولى مهام تنظيم وتنسيق المظاهرات وتوثيقها وتحديد أسمائها، ثم أعلن في حزيران 2011 عن تشكيل “اتحاد تنسيقيات الثورة السورية” بهدف تمثيل الحراك المدني السياسي والإعلامي وتشكيل قاعدة للنشطاء بغية حماية أهداف الثورة وضمان تحقيق أهدافها.
وبفضل ما قدمه “فيسبوك” من خصائص، تمكن النظائرون ضد النظام البائد من إنشاء حسابات بأسماء مستعارة، كما مثل “فيسبوك” فضاء موازياً بعيداً عن حملات القمع الأمني، حيث تدور فيه النقاشات والحوارات بين السوريين حول الثورة ومستقبل البلاد في تلك المرحلة والحاجة إلى التعاضد والتكاتف للوقوف في وجه ممارسات نظام الأسد المخلوع ومحاولاته المستمرة اختزال الحقيقة وتسويق روايته على الصعيد العالمي.
توثيق الأحداث والانتهاكات
وعلى ضوء ذلك، لم يفلح الناشطون من استعمال الهاتف النقال في تصوير المظاهرات السلمية وتحميلها كفيديوهات قصيرة من الأرض بسرعة مثيرة للانتباه فحسب، بل وتزويد وسائل الإعلام التقليدية العربية والأجنبية بالمواد الإخبارية الساخنة ما شكل كسراً للرقابة الأمنية على تناول المعلومات والأخبار والبيانات على مدى عقود ودافعاً لاستمرار حكاية الثورة وحفظ ذاكرتها.
وبالإضافة إلى ذلك، سخّر الناشطون لاحقاً الهواتف المحمولة صغيرة الحجم لتصوير وتوثيق الأحداث الجارية بالصوت والصورة من عمليات الاعتقال والقصف والاشتباكات وكذلك تسريب صور قتل وتعذيب المعتقلين داخل السجون خلال المراحل التالية من عمر الثورة، وأصبحت تلك الفيديوهات والصور موادّ، تفضح وتدين جرائم النظام ما أسهم في زيادة ضغط المنظمات الحقوقية والمجتمع الدولي عليه.
التحديات والمخاطر
وعلى الرغم من أهمية وسائل الإعلام الحديثة في الثورة، لكنها واجهت تحديات ومخاطر في بيئة عدائية للصحافة عموماً وللمستقلة وللمعارضة خصوصاً مع العلم أن سوريا في عهد النظام البائد تذيلت مؤشر حرية الصحافة الصادر عن منظمة “مراسلون بلا حدود”.
وتضمنت هذه المخاطر رقابة الأجهزة الأمنية على الإنترنت والنشطاء والصحفيين، وما تعرضوا له من قتل واعتقال تعسفي واحتجاز واختفاء قسري خلال 14 عاماً، فمع إدراك النظام البائد لمخاطر الصحافة الرقمية على حكمه ودورها في إشعال الثورة، أصبح “فيسبوك” و”يوتيوب” مصدر رعب لسلطاته الأمنية، ما دفعها إلى إخضاع الهواتف المحمولة للمواطنين للتفتيش بشكل متكرر، بل وحاولت مخابرات الأسد خلق جيش إلكتروني لإرهاب الناشطين وتحديد أماكنهم بغية اعتقالهم أو بث التفرقة بين صفوفهم على الأقل.
ومنذ آذار 2011 وحتى أيار 2024 سجلت “الشَّبكة السورية لحقوق الإنسان” مقتل 554 فرداً من الصحفيين والعاملين في القطاع الإعلامي، بينهم 5 أجانب، على يد النظام البائد.
ووفق تقرير سابق للشبكة، فإنَّ 392 من الصحفيين والعاملين في القطاع لا يزالون قيد الاعتقال أو الاختفاء القسري على يد النظام البائد.
بين 1982 و2011
وللدلالة على أهمية الإعلام الرقمي يكفي المقارنة بين فترتين زمنيتين تخللتهما انتفاضتان في عهد نظام الأسد الأب والابن، إذ شكل “فيسبوك” طوق النجاة للثورة في عام 2011 ونجح الثوار والناشطون في تعرية نظام الأسد المخلوع وكشف ألاعيبه أمام العالم، وهنا فشلت مؤسسات النظام البائد في طمس الحقائق وتنفيذ سياسة الإنكار والإفلات من العقاب، كما فعل في عام 1982 عندما شنت قوات النظام البائد، بقيادة حافظ الأسد، هجوماً على مدينة حماة لوأد الانتفاضة هناك، ما أدى إلى مقتل ما بين 30 و40 ألف مدني، واختفاء نحو 17 ألف شخص قسراً، وفق تقديرات الشبكة السورية لحقوق الإنسان.
ومع غياب وسائل التواصل الاجتماعي في فترة الثمانينيات، يبدو دور الإعلام البديل حاسماً، حيث لم تتمكن الصحافة من تغطية ما حدث فعلاً في الثمانينيات ما مكن النظام البائد من خنق الحقيقة وإخفاء وتهديد أي صوت يتحدث عن المجزرة، لكن النظام عجز رغم كل المحاولات عن منع نشر آلاف الصفحات داخل سوريا وخارجها للأحداث الميدانية بعد عام 2011.
وفي العموم، كانت الصحافة الجديدة بتقنياتها الرقمية شريكة للثورة السورية وناشطيها منذ انطلاقتها وظلت حتى تحرير سوريا، وكانت الأداة التي كسرت القيود وعجزت مخابرات الأسد عن إسكاتها.




