دخلت سوريا مرحلة جديدة من الإصلاحات النقدية مع إعلان المصرف المركزي عن إصدار عملة سورية جديدة، في خطوة تهدف إلى إعادة ترتيب المشهد المالي وتسهيل التعاملات التجارية.
وبينما ينشغل الشارع السوري بمراقبة حركة الأسعار، يبرز السؤال الجوهري: هل يتجاوز أثر هذا الإصدار الجانب الفني ليصل إلى استقرار حقيقي في سعر الصرف؟
التسعير المزدوج لمدة ٩٠ يوماً
وفقاً لما أعلنه حاكم المصرف المركزي عبد القادر حصرية، فإن عملية التبديل ستتم عبر قنوات رسمية تشمل البنوك وشركات الصرافة، بالإضافة إلى صرف الرواتب بالقنوات النظامية.
وقد حدد المركزي فترة 90 يوماً (قابلة للتمديد) كإطار زمني للتعايش بين العملتين القديمة والجديدة، مع اعتماد نظام “التسعير المزدوج” لضمان عدم حدوث هزات في الأسواق.
قراءة في الأبعاد الفنية
في تحليله الفني لهذه الخطوة، يوضح الخبير الاقتصادي محمد بدر كوجان لموقع الإخبارية أن العملية تعتمد مبدأ “الحياد النقدي”، حيث يتم حذف صفرين من القيمة الاسمية (الليرة الجديدة تعادل 100 ليرة قديمة).
ويشير كوجان إلى أن التغيير الأبرز يكمن في “الكفاءة اللوجستية”؛ حيث طرح المركزي فئات (100، 200، 500) ليرة جديدة، والتي تعادل قيمتها (10، 20، 50) ألف ليرة قديمة على التوالي.
هذا الإجراء يحل معضلة كبيرة عانى منها السوريون، فبدلاً من حمل رزمة كاملة من فئة 500 القديمة، يمكن الآن استبدالها بورقة واحدة من فئة 500 الجديدة، مما يسهل الدفع ويقلل العبء على الشركات والأفراد.
ما وراء “حذف الأصفار”: هل يستقر الصرف؟
يرى الخبير كوجان أن أثر هذه الخطوة على سعر الصرف يتحدد عبر مسارين:
الأثر النفسي والرمزي: تمثل العملة الجديدة “قطيعة” مع مرحلة الانهيارات السابقة وبداية لبناء هوية اقتصادية جديدة، هذا العامل النفسي ضروري جداً لترميم الثقة المهتزة بين المواطن والعملة المحلية.
الأثر الرقابي: يوضح كوجان أن الاستبدال سيمكن المصرف المركزي من “إحصاء دقيق” للكتلة النقدية، مما يمنحه قدرة أعلى على التحكم في السياسة النقدية وضبط السيولة بعد انتهاء فترة الاستبدال.
التحديات: الإنتاج هو الحصن الحقيقي
رغم التفاؤل الإجرائي، يحذر كوجان من حصر التوقعات في الجانب الشكلي فقط. فالاستقرار المستدام لسعر الصرف لا يرتبط بشكل الورقة النقدية، بل بـ “العوامل الهيكلية”، وأبرزها، تحسن مستوى الإنتاج والنمو واستعادة زخم الناتج المحلي الإجمالي، وتوازن ميزان المدفوعات وتأمين تدفقات النقد الأجنبي لتمويل الإعمار، والقدرة على كبح المضاربات وضمان عدم استغلال التجار لفترة الانتقال لرفع الأسعار.
ويختم الخبير محمد بدر كوجان رؤيته بالوقوف في منطقة وسطى بين التفاؤل والحذر، فبينما يرى في الخطوة وسيلة لتمكين المصرف المركزي من استعادة دوره المحوري في إدارة السياسة النقدية، فإنه يؤكد أن استقرار الليرة “مرهون بدوران عجلة الإنتاج الحقيقي”.
المسار المتوسط والطويل
يرى خبراء اقتصاديون أن الليرة الجديدة هي خطوة أولى ضرورية في مسار التحول الاقتصادي، لكن نجاحها المستدام يعتمد على المسار المتوسط والطويل: مدى نجاحها في تعزيز الثقة الشعبية، وترافقها مع بيئة استثمارية آمنة تصحح الخلل البنيوي بين السياسة المالية وحجم الإنتاج.
تفاصيل المرسوم
نشر مصرف سوريا المركزي عبر معرفاته الرسمية، في 31 كانون الأول الفائت، التعليمات الكاملة التي تضمنها المرسوم الجمهوري الصادر عن السيد الرئيس أحمد الشرع، والمتعلق بإطلاق العملة الجديدة.
ونص المرسوم، وفق مادته الأولى، على استبدال وسحب الأوراق النقدية الحالية من التداول ابتداءً من اليوم الأول من عام 2026، وخلال المهل التي يحددها المصرف المركزي.
كما أكد المرسوم، في مادته الثانية، أن عملية سحب العملة القديمة من التداول ستتم بشكل تدريجي ووفق جداول محددة، وضمن مراكز يحدّدها كذلك المصرف المركزي.
وفيما يتعلق بالقيمة النقدية للعملات الجديدة، أشار المرسوم إلى أنه “يتم طرح أوراق نقدية جديدة بإزالة صفرين من القيمة الاسمية للعملة القديمة المسحوبة من التداول”، على أن “تبقى العملتان القديمة والجديدة في التداول معاً، وتتمتعان بذات القوة الإبرائية خلال المهل”.
ونوه المرسوم، الذي تألف من 12 مادة، بأنه “لا يترتب أي عمولات أو ضرائب أو رسوم أو غرامات على عمليات التحويل والاستبدال من العملة القديمة إلى العملة السورية الجديدة”.
وأكد الرئيس الشرع، في 29 كانون الأول الفائت، أن “تبديل العملة يمثل عنواناً لأفول مرحلة سابقة غير مأسوف عليها”، مشدداً على أن “هذه العملية جراحية دقيقة في مسار تحول الحالة النقدية في البلاد”.
وقال الرئيس الشرع إن “هناك سهولة في تداول العملة الجديدة، ولا سيما أن الكثيرين يعانون من حجم العملة القديمة في عمليات البيع والشراء”، منوهاً بأن المواطنين كانوا مضطرين للتعامل معها رغم أنها تحمل وجوهاً قبيحة.



