في 19 آب الجاري، أعلن مصرف سوريا المركزي اعتماد نظام للدفع والتحويل الإلكتروني في البلاد، كخطوة أساسية في تحديث البنية المالية وتوفير خيارات دفع أكثر سهولة وكفاءة وأماناً إلى جانب التعامل النقدي التقليدي.
وأمام هذا التحول في النظام النقدي التقليدي، تبدو الحاجة أكبر لفهم أهمية الدفع الإلكتروني في بنية الاقتصاد وكيف سيؤثر على المواطنين وقطاع الأعمال والمعاملات التجارية؟ وإلى أي درجة سيعزز الابتكار والاستثمار في الخدمات المالية؟ وهذا بالضبط ما يشرحه الخبراء الاقتصاديون في هذا التقرير.
الدفع الإلكتروني.. أكثر من تحول تقني
وعلى الرغم من أهمية الإعلان عن اعتماد نظام الدفع والتحويل الإلكتروني غير أنه مسار بدأته الحكومة فعلياً العام الماضي من خلال سلسلة من الإصلاحات وإتاحة مزيد من الخدمات الإلكترونية المرخصة أصولاً، لذلك يعتبر الأكاديمي والباحث الاقتصادي د. ياسر الحسين في حديث لموقع الإخبارية أن النظام المعلن عنه ليس مجرد تحول تقني، بل جزء من إعادة بناء البنية المالية للاقتصاد السوري، وجاء بالتوازي مع توجه أوسع لإعادة تأهيل القطاع المصرفي وربط سوريا تدريجياً بالنظام المالي الدولي.
ويتفق الخبير الاقتصادي والمالي د. علي محمد مع هذا الاتجاه، مشيراً إلى توقيع مذكرة تفاهم مع «ماستركارد» في أيلول 2025، واتفاق مع «فيزا» في كانون الأول من العام نفسه، ثم السماح للمصارف وشركات الدفع المحلية بالتعامل مباشرة مع «فيزا» و«ماستركارد» في أيار 2026.
ماذا يغير الدفع الإلكتروني في الاقتصاد؟
ومن المتوقع أن يحدث هذا القرار تحولات في بنية الاقتصاد السابقة بهدف تجاوز مجموعة من السلبيات بما ينسجم مع المشاورات الجارية مع البنك الدولي لتطوير قطاع المال في سوريا.
ويؤكد الحسين أن الاقتصاد ما يزال شديد الاعتماد على النقد، مع ضعف الوساطة المالية والبنية التحتية الرقمية للدفع، بينما من شأن الانتقال إلى المدفوعات الإلكترونية خفض تكلفة المعاملات وتسريعها وجعلها أكثر قابلية للتتبع، كما يمكن للأموال الموجودة خارج النظام المصرفي أن تدخل تدريجياً إلى الحسابات والمحافظ الإلكترونية، مما يزيد قدرة المصارف والمؤسسات المالية على تقديم الائتمان والخدمات المالية، ويحسن بيئة الأعمال من خلال تسهيل تحصيل المدفوعات ودفع الرواتب والموردين.
من جهته، يعتقد محمد أن توسيع خدمات وخيارات الدفع والتحويل يزيد مرونة العمل المالي في سوريا، من خلال سرعة تحويل الأموال وسهولته ودقة العمل المالي والرقابة عليه.
المواطن وقطاع الأعمال.. المستفيد الأول
ولا تتوقف خصائص نظام الدفع الالكتروني عند توفير بدائل آمنة للمعاملات اليومية بالنسبة للمواطنين بل يتميز بمجموعة أخرى من السمات، فبحسب الحسين، يوفر النظام إمكانية استخدام المحافظ الإلكترونية والحسابات والبطاقات، وتسهيل دفع الفواتير والمشتريات والتحويلات المالية مستقبلاً.
وضمن هذا السياق، يؤكد المصرف المركزي أن التحول الإلكتروني لا يعني إلغاء التعامل النقدي أو فرض وسيلة دفع محددة، ويوضح الحسين أن الدفع الإلكتروني يحول جزءاً من النشاط التجاري من معاملات نقدية يصعب قياسها إلى معاملات يمكن تسجيلها ومراجعتها، بما قد يؤدي إلى انخفاض تكاليف التحصيل، وسرعة دوران المدفوعات وتحسن البيانات المالية، وتوسع التمويل والاستثمار والإنتاج.
ويؤكد الخبير الاقتصادي والمالي د. علي محمد لموقع الإخبارية أن القرار يوسع خيارات الدفع والتحويل أمام المواطنين وقطاع الأعمال، ويخلق بيئة تسمح بتطوير الخدمات المالية والاستثمار فيها بصورة منظمة ومرخصة.
الشمول المالي.. فرصة للانتقال إلى نموذج رقمي
ومن المرجح أن يدعم نظام الدفع الإلكتروني الشمول المالي، شريطة ألا تتحول الرقمنة إلى حاجز أمام الفئات الأقل اتصالاً بالنظام المالي، وعليه يسلط الحسين الضوء على أهمية توفير محافظ إلكترونية منخفضة التكلفة، وحسابات مبسطة للأفراد والمنشآت الصغيرة، وخدمات دفع عبر الهاتف، وانتشار نقاط البيع، وخدمات مناسبة للنساء والمنشآت الصغيرة والمناطق الأقل خدمة.
ويذكر أن أمام سوريا فرصة للانتقال جزئياً إلى نموذج مالي رقمي حديث، بدلاً من محاولة إعادة بناء شبكة مصرفية ونقدية تقليدية قديمة.
ويتقاطع ذلك مع رؤية محمد الذي يعتبر أن فتح المجال أمام المنافسة والابتكار والاستثمار في قطاع الخدمات المالية يمكن أن يؤدي إلى زيادة الشمول المالي وكفاءته.
الاقتصاد غير المنظم.. الرقمنة ليست أداة ضريبية فقط
يشير الأكاديمي والباحث الاقتصادي د. ياسر الحسين إلى أن توسع الدفع الإلكتروني يجعل المعاملات أكثر قابلية للتسجيل والتدقيق، مما يمكن أن يساعد في توسيع القاعدة الضريبية، وتحسين الامتثال، وتقليل التهرب، وتحسين البيانات الاقتصادية والسياسة المالية.
لكنه يحذر من النظر إلى الرقمنة على أنها أداة جبائية فقط، مشدداً على ضرورة أن تترافق مع تبسيط الضرائب، وخفض تكلفة الامتثال، وحماية البيانات، وتحسين الخدمات العامة، حتى يكون الانتقال إلى الاقتصاد الرسمي مستداماً.
ومن زاوية أخرى، يقول المركزي: إن نظام الدفع الالكتروني يعزز سلامة التعاملات المالية والثقة بالخدمات الرقمية، غير أن محمد يربط زيادة الرقابة ودقة العمل المالي بتطوير منظومة الدفع نفسها، من خلال وضع قواعد واضحة للحوكمة وإدارة المخاطر والأمن السيبراني وحماية المستخدمين.
«المختبر التنظيمي».. الابتكار تحت الرقابة
وبحسب ما ذكر المصرف المركزي في بيانه، فإن نظام الدفع الإلكتروني يفتح المجال أمام الابتكار والمنافسة والاستثمار في قطاع الخدمات المالية والتقنية.
وهنا، يعد محمد أن من أبرز نقاط القرار «المختبر التنظيمي»، وهو آلية تتبعها البنوك المركزية حول العالم، وتسمح للشركات الناشئة والمبتكرة اختبار منتجات وحلولاً مالية جديدة في بيئة محكومة ومحدودة النطاق، تحت إشراف المصرف المركزي، قبل طرحها على نطاق واسع.
ويرى أن هذه الآلية تقلل المخاطر على المستخدم والنظام المالي، وتمنح الشركات مساحة تجريب آمنة قانونياً، فتشجع الابتكار دون التضحية بالرقابة.
من النظام الوطني إلى الربط الدولي
وعلى الرغم من أن المركزي أوضح أن هذا النظام يمهد مستقبلاً لتطوير قدرة البنية المالية السورية على التكامل مع منظومات الدفع الإقليمية والدولية، لكنه شدد على أن ذلك لا يعني إتاحة التحويلات أو الربط الدولي بشكل فوري.
ويحتاج هذا المسار، بحسب الحسين، إلى بنية تقنية موثوقة ومعايير دولية ومكافحة فعالة لغسل الأموال وتمويل الإرهاب وحماية البيانات ورقابة مصرفية قوية، وربط المصارف السورية بالمصارف المراسلة، إضافة إلى الاستقرار النقدي والمصرفي والثقة.
ويتفق محمد مع أهمية البعد الدولي للقرار، لأنه يمهد لإمكانية ربط البنية المالية السورية بمنظومات الدفع الدولية وإتاحة التحويلات الدولية مستقبلاً، لكنه يأتي ضمن مسار تدريجي يحتاج إلى استكمال متطلباته القانونية والتقنية والمصرفية.
وفي المحصلة، يلتقي الخبيران عند نقطة أساسية هي أن الدفع الإلكتروني ليس بديلاً إلزامياً عن النقد، وإنما أداة لتوسيع الخيارات وإعادة تنظيم حركة الأموال، وقد يشكل إحدى اللبنات الأساسية في إعادة بناء القطاع المالي السوري والانتقال التدريجي نحو اقتصاد أكثر شمولاً وكفاءة واتصالاً بالنظام المالي الدولي.
ويتزامن التوجه الحكومي نحو التكنولوجيا الرقمية ومواكبة المعايير الدولية ودعم اندماج سوريا ضمن النظام المالي العالمي مع اعتماد البنك الدولي، هذا الشهر، منحة مالية بقيمة 100 مليون دولار لدعم مشروع تحديث القطاع المالي في سوريا.


