لم يعد معرض بيلدكس مجرد تظاهرة اقتصادية سنوية تجمع شركات البناء والاستثمار، بل بات منصة استراتيجية تقاس من خلالها مؤشرات التعافي وإعادة الإعمار في سوريا، ومع اختتام دورته الـ 24 تتجه الأنظار إلى النتائج العملية ومدى قدرتها على تحويل الفرص الاستثمارية والاتفاقيات الموقّعة إلى مشاريع ملموسة تنعكس على حياة المواطنين وتدعم مسار النهوض الاقتصادي خلال المرحلة المقبلة.
وأكدت وزارة الإدارة المحلية والبيئة أن المعرض شكّل منصة اقتصادية وتنموية مهمة لدعم جهود التعافي وإعادة الإعمار، وتعزيز التعاون بين القطاعين العام والخاص، إلى جانب توسيع فرص الاستثمار في مختلف المحافظات.
وأوضح مدير العلاقات العامة في الوزارة علي الحمد في تصريحات لموقع الإخبارية، أن المعرض شهد مشاركة أكثر من 700 شركة تمثّل ما يزيد على 1400 علامة تجارية من 51 دولة، من بينها تركيا والمملكة العربية السعودية والصين وألمانيا والولايات المتحدة والإمارات العربية المتحدة، إلى جانب مشاركة واسعة من الشركات والمؤسسات.
وأشار الحمد إلى أن ما يميز هذه الدورة لم يكن حجم المشاركة الدولية والعلامات التجارية فحسب، بل الحضور الواسع لمجالس المدن والبلديات السورية بوفودها الرسمية على مدار أيام المعرض الخمسة، الأمر الذي يعكس تنامياً في دور الإدارات المحلية وانتقالها من مرحلة استقبال المشاريع إلى مرحلة الإسهام الفاعل في استقطابها وتحديد أولوياتها التنموية.
كما استقطب المعرض نحو 105 آلاف زائر متخصص من المهندسين والمقاولين والمستثمرين وصنّاع القرار، إضافة إلى وفود نقابية وأكاديمية وطلاب هندسة، ما عزز من دوره كمنصة للحوار والتشبيك المهني وتبادل الخبرات.
الاتفاقيات ومذكرات التفاهم
كشف الحمد أن برنامج اللقاءات الثنائية (B2B) أسفر عن توقيع أكثر من 21 اتفاقية وشراكة ومذكرة تفاهم وعقداً رسمياً بين الجهات المشاركة.
وأكد أن أهمية هذه الاتفاقيات لا تكمن في عددها فحسب، بل في قدرتها على التحول إلى مشاريع حقيقية تخدم خطط التعافي المبكر والتنمية المحلية خلال السنوات المقبلة.
وبيّن أن نقطة التحوّل الأبرز التي جسّدها المعرض تتمثل في ربط وتفعيل دور القطاع الخاص المحلي والدولي كشريك حقيقي في المجالس المحلية والبلديات ضمن بيئة احترافية منظمة، بما يتيح للإدارات المحلية تحديد احتياجاتها التنموية واستقطاب المشاريع المناسبة لها، ويسهم في تسريع دورة التنفيذ وتقليص الإجراءات التقليدية.
المشاريع المتوقعة وفرص العمل
أشار الحمد إلى أن مشاريع التعافي المبكر تتصدر أولويات الوزارة خلال المرحلة المقبلة، نظراً لقدرتها على إحداث أثر سريع في المجتمعات المحلية وإيجاد فرص عمل مستدامة ترتبط بالاقتصاد المحلي في كل محافظة، فضلاً عن قدرتها في استيعاب الكفاءات.
ولفت إلى أن مشاريع البنية التحتية وإعادة التأهيل العمراني تعد من أكثر القطاعات قدرة على استيعاب اليد العاملة والكفاءات الفنية والهندسية.
وفي هذا السياق، حرصت الوزارة على توجيه الدعوة بشكل خاص إلى طلاب الهندسة المعمارية والمدنية، ولا سيما طلاب السنوات النهائية وطلبة الدراسات العليا، لإتاحة الفرصة أمامهم للاحتكاك المباشر بسوق العمل والتعرف إلى متطلباته، بما يسهم في ربط مخرجات التعليم الجامعي باحتياجات التنمية وإعادة الإعمار.
وقال مدير العلاقات العامة إن التقديرات الدقيقة المتعلقة بعدد فرص العمل المتوقعة من هذه المشاريع ستصدر عن الجهات المختصة في الوقت المناسب.
متى يلمس المواطن النتائج؟
أكد علي الحمد أن مشاريع التعافي المبكر صُممت أساساً لتقليص الفترة الزمنية بين اتخاذ القرار وظهور الأثر الميداني، في حين تتراوح مدة تنفيذ مشاريع البنية التحتية الكبرى بين عام وثلاثة أعوام وفقاً لمدى جاهزية الدراسات والتصاميم وتوافر التمويل وسرعة الإجراءات.
الانعكاس على البنية التحتية والتنمية العمرانية
بيّنت الوزارة أن الاستثمارات الجديدة يجب أن تنسجم مع المخططات التنظيمية للمدن والبلدات، مشددة على أن مشاريع الإسكان والبنية التحتية تشكّل منظومة متكاملة لا يمكن فصل عناصرها عن بعضها بعضاً، إذ إن نجاح أي مشروع استثماري مهما بلغت قيمته الاقتصادية لن يحقق أثره الكامل ما لم تتوفر فيه الخدمات الأساسية من مياه وكهرباء وصرف صحي وشبكات طرق حديثة.
آليات متابعة التنفيذ على أرض الواقع
أوضح الحمد أن الوزارة تعتمد 3 مسارات رئيسية لضمان تحويل الاتفاقيات ومذكرات التفاهم إلى مشاريع حقيقية على أرض الواقع، يتمثل الأول في تمكين المجالس المحلية من إدارة شراكاتها مع القطاع الخاص بكفاءة واستقلالية ضمن الصلاحيات الممنوحة لها، بما يعزز دورها التنموي ويجعلها شريكاً فاعلاً في جذب الاستثمارات وتنفيذ المشاريع.
أما المسار الثاني يرتكز على منظومة للرصد الميداني لمتابعة مراحل تنفيذ مشاريع التعافي المبكر وقياس أثرها الفعلي على مستوى الخدمات المقدّمة للمواطنين، في حين يعتمد الثالث على منظومة متكاملة من التراخيص والموافقات تضمن التزام المشاريع بالمعايير التخطيطية والعمرانية المعتمدة.
واختتم الحمد تصريحه بالإشارة إلى أن الدورة المقبلة من معرض بيلدكس ستقام في مدينة حلب خلال الفترة الممتدة من 22 إلى 25 تشرين الأول 2026، معتبراً أن اختيار حلب يعكس توجّهاً نحو دعم المحافظات الأكثر احتياجاً وتعزيز اللامركزية وتوزيع فرص التنمية على مختلف المناطق.


