لا تقتصر عودة الدنمارك إلى دمشق على افتتاح سفارة المملكة المغلقة منذ 14 عاماً، بل تؤسس لشراكة استراتيجية ومسار أعمق من التعاون يتقدمه الاقتصاد، ويمتد إلى الاستثمار والتجارة وإعادة الإعمار وقطاعات حيوية أخرى، في ظل توجه أوروبي متزايد نحو دعم تعافي سوريا وتعزيز انخراطها في الاقتصاد الدولي.
وجاءت هذه الخطوة ضمن حراك دبلوماسي متسارع، بدأ بوصول وزير الخارجية الدنماركي لارس لوكه راسموسن إلى دمشق الإثنين الماضي، حيث شارك بافتتاح سفارة بلاده إلى جانب وزير الخارجية والمغتربين أسعد حسن الشيباني، وتخلل الزيارة لقاء السيد الرئيس أحمد الشرع في قصر الشعب لبحث سبل تعزيز العلاقات الثنائية، والتعاون في مجالات التعافي وإعادة الإعمار، إلى جانب عدد من القضايا ذات الاهتمام المشترك.
وفي اليوم التالي، عقد الشيباني وراسموسن مباحثات تناولت آفاق التعاون بين البلدين، تلاها مؤتمر صحفي سلّط الضوء على التعاون الاقتصادي المرتقب بين البلدين، بما في ذلك التجارة والاستثمار والتحضير لاتفاقية شراكة متعددة القطاعات.
وخلال المؤتمر، أعلن راسموسن خلال مؤتمر صحفي مشترك أمس مع الوزير الشيباني تخصيص نحو 76 مليون دولار أمريكي لدعم سوريا خلال العام الحالي، مع التطلع إلى زيادة هذا الدعم في العام المقبل، مؤكداً استعداد بلاده لمساندة سوريا في مسار التعافي والتجارة وإعادة البناء.
كما كشف وزير الخارجية والمغتربين أسعد الشيباني عن اتفاقية شراكة استراتيجية ستوقٍعها كل من سوريا والدنمارك خلال الزيارة المقبلة إلى الدنمارك، إلى جانب انطلاق الرحلات الجوية المباشرة بين دمشق وكوبنهاغن بدءاً من 21 أيلول الجاري.
وفي هذا السياق، رأى المحلل الاقتصادي د. فراس شعبو، في حديث لموقع الإخبارية، أن افتتاح السفارة الدنماركية يحمل تبعات اقتصادية تتجاوز البعد الدبلوماسي، إذ يمكن أن يبعث بإشارات إلى الدول الاسكندنافية الأخرى بشأن مستقبل الاقتصاد السوري وفرص الاستثمار فيه، فضلاً عن الشروط والتحديات المرتبطة بدخول السوق السورية.
وأشار شعبو إلى أن سوريا تنتقل تدريجياً من مرحلة الاعتماد على المساعدات الإنسانية، التي كانت الدنمارك جزءاً منها، إلى مرحلة التمويل التنموي.
ولا يتعلق الانفتاح الدنماركي بالدعم المالي فقط، إذ أبدى قطاع الأعمال في الدنمارك استعداداً للاستثمار في السوق السورية، وفقاً لما أكده وزير المملكة، بالتوازي مع بدء محادثات تمهيدية بشأن اتفاقية شراكة توفر إطاراً مؤسساتياً للتعاون بين البلدين.
وبالحديث عن هذا الجانب، اعتبر شعبو أن تحويل هذا التوجه إلى نتائج اقتصادية ملموسة يتطلب الانتقال من إعلان النوايا إلى مذكرات تفاهم وعقود تنفيذ فعلية.
وستغطي اتفاقية الشراكة الاستراتيجية المرتقبة قطاعات متعددة، من بينها الزراعة والطاقة والطيران والاستثمار والهجرة، إلى جانب مجالات أخرى، بحسب ما أكده وزير الخارجية والمغتربين أسعد حسن الشيباني، في تعليقه أمس الثلاثاء على زيارة الوفد الدنماركي.
الزراعة.. فرصة لتعزيز الأمن الغذائي
ولا تقتصر فرص التعاون على الاستثمار وإعادة الإعمار، إذ يبرز القطاع الزراعي بوصفه أحد المجالات الواعدة للشراكة، مستفيداً من الخبرات والتقنيات الدنماركية في المكننة والإنتاج والثروة الحيوانية.
وكان وزير الخارجية الدنماركي قد أشار إلى إمكانية أن تصبح سوريا “سلة غذاء للمنطقة”، في ظل ما تمتلكه من مقومات زراعية. وفي هذا الإطار، رأى الخبير في العلاقات الدولية محمود أحمد عثمان، في حديث للإخبارية أمس الثلاثاء، أن هذا التعاون يمكن أن يسهم في تعزيز أمن سوريا الغذائي والتحول إلى دولة مصدرة.
ويمتد التعاون المحتمل إلى قطاعات أخرى ترتبط مباشرة بمرحلة ما بعد الحرب، ولا سيما تأهيل البنية التحتية وإزالة مخلفات الحرب ومكافحة الجريمة المنظمة، وهي ملفات أوضح عثمان أن الخبرة الأوروبية يمكن أن تسهم في معالجتها، مشيراً إلى أن الدنمارك تتمتع بمكانة متقدمة عالمياً في مجالي الزراعة والثروة الحيوانية.
مجلس الأعمال.. قناة لتحويل التفاهمات إلى شراكات
ويكتسب الحديث عن إعادة تفعيل مجلس الأعمال السوري الدنماركي أهمية بارزة، باعتباره منصة محتملة لربط المؤسسات الاقتصادية والشركات في البلدين، وتحويل التفاهمات الحكومية إلى فرص تجارية واستثمارية قابلة للتنفيذ على غرار المجالس التي جرى تشكيلها بين سوريا ودول أخرى خلال الفترة الماضية.
وذكر المحلل الاقتصادي د. فراس شعبو أن المجلس يربط بين الجهات الحكومية والقطاع الخاص، ويمكن أن يؤدي دوراً في تأمين آليات تمويل مختلطة لمشاريع إعادة الإعمار.
من جهته، لفت الكاتب والمحلل السياسي أحمد مظهر سعدو إلى أن تشكيل المجلس يعكس وجود تفكير جدي في تطوير العلاقات الاقتصادية والتجارية بين سوريا والدنمارك، موضحاً أن مجالس الأعمال تشكل عادة قناة مباشرة لتعزيز العلاقات التجارية والصناعية والتبادلية بين الدول.
وأضاف سعدو للإخبارية أمس الثلاثاء أن الاتفاقات الاقتصادية بين الدول غالباً ما تستفيد من وجود مثل هذه المجالس، التي تمنح التعاون بعداً مؤسساتياً طويل الأمد، معتبراً أن إعادة تفعيل المجلس في المرحلة الحالية يمكن أن يؤسس لعلاقات أكثر جدية واستقراراً خلال الفترة المقبلة.
ومع استكمال عودة الدنمارك الدبلوماسية إلى دمشق، وبدء التحضير لشراكة استراتيجية متعددة القطاعات، تتجه الأنظار إلى المرحلة اللاحقة لانتقال التفاهمات إلى مشاريع فعلية قائمة في التمويل التنموي والتجارة والاستثمار وإعادة الإعمار وإمكانية انضمام دول أخرى في الاتحاد الأوروبي إلى هذا المسار.




