في مشهد يعكس تناقضاً صارخاً بين مساعي الدولة لإنصاف أبنائها، وإصرار القوى الخارجة عن القانون على إبقائهم رهينة، تبرز قضية عرقلة طلاب محافظة السويداء عن أداء امتحاناتهم كفصل جديد في سلسلة معاناة المحافظة.
دعوات مشروعة وعقبات أمنية
على وقع منع المجموعات الخارجة عن القانون طلاب الشهادتين الأساسية والثانوية العامة من مغادرة المدينة والتوجه إلى مراكزهم الامتحانية في ريف المحافظة الشمالي، عادت إلى الواجهة دعوات فردية تطالب بإقامة الامتحانات داخل مدينة السويداء نفسها.
وتثير هذه الدعوات علامات استفهام حول مدى جدواها وإمكانية تحقيقها في ظل واقع أمني متدهور، وهيمنة مجموعات مسلحة على المشهد الميداني، وغياب الإشراف المباشر من وزارة التربية والتعليم، بصفتها الجهة الرسمية الوحيدة المسؤولة عن سير العملية الامتحانية في كامل الأراضي السورية.
جهود سابقة ومحاولات لم تكتمل
قبل الخوض في الجدل الراهن، لا بد من التذكير بالجهود الفعلية التي بذلتها الحكومة سابقاً، حين حاولت إجراء الامتحانات داخل مدينة السويداء في حزيران الماضي، مستوفية الشروط الفنية والإدارية والأمنية المطلوبة، أسوة بباقي المحافظات، رغم ما كان يكتنف تلك الفترة من مخاطر وصعوبات.
إلا أن وزارة التربية اضطرت في النهاية إلى اعتماد مراكز بديلة خارج المحافظة، في دمشق وريفها، بعد تعذّر توفير البيئة الآمنة للعملية الامتحانية داخل المدينة، بما في ذلك حماية المراكز، وسلامة الأسئلة والدفاتر، وتأمين الكوادر التعليمية، وضمان استمرار الإشراف الرسمي المباشر.
وفي هذا السياق، أوضح مدير العلاقات الإعلامية في مديرية إعلام السويداء، قتيبة عزام، لموقع الإخبارية أن “مباحثات جرت في ذلك الوقت، ولم تُكلل بالنجاح نتيجة الأوضاع الأمنية غير المستقرة في المدينة”.
التهديد بالسلاح.. عائق مُستدام
حول إمكانية إجراء امتحانات الدورة الاستثنائية داخل المدينة حالياً، أكد مدير مديرية الأمن الداخلي في السويداء، سليمان عبد الباقي، لموقع الإخبارية أن ذلك يستدعي تفعيل مؤسسات الدولة بشكل كامل، مبيّناً أن إجراء الامتحانات في الظروف الراهنة “أمر مستحيل”، مستشهداً بحادثة اختطاف مدير التربية سابقاً، إضافة إلى تعرّض الكادر التدريسي للتهديد بالسلاح خلال دورات امتحانية سابقة.
ويُذكر أن المشهد نفسه تكرر في الدورة الحالية، حيث تعرّض وفد من مديرية التربية للاعتداء أثناء توجهه للإشراف على الامتحانات في المراكز، وأُجبر أفراده على العودة، ما حال دون وصولهم إلى وجهتهم.
ويشكّل الوضع الأمني المتأزم داخل المدينة العائق الأكبر أمام تحقيق تلك الدعوات، إذ يوضح عزام أنه “لا يمكن ضمان سلامة الكوادر المشرفة على العملية التعليمية في مناطق سيطرة المجموعات الخارجة عن القانون”، مضيفاً أن “تلك المناطق تشهد بشكل شبه يومي توترات أمنية، وارتفاعاً ملحوظاً في عمليات السرقة وجرائم القتل”.
الأهالي يرفضون ممارسات الخارجين عن القانون
على إثر هذه الإجراءات القسرية، اعتصم عدد من الطلاب في مدينة السويداء عند دوار الملعب البلدي اليوم، احتجاجاً على منعهم من التوجه إلى مراكزهم الامتحانية لأداء الاختبارات.
وفي حديثه عن تلك الممارسات بحق الطلاب وعائلاتهم، أشار عبد الباقي إلى أن المجموعات المسلحة واجهت أبناء السويداء بالسلاح الثقيل، ومنعتهم من الخروج، وهددتهم بالقتل، ما أدى إلى تعرّض العشرات منهم للاعتداء.
وبخصوص موقف الأهالي داخل المدينة بعد منع أبنائهم من أداء الامتحانات للمرة الثانية هذا العام، تداولت صفحات محلية لقاءات مصورة مع عدد من المواطنين والمواطنات، عبّروا فيها عن استنكارهم الشديد لمنع الطلاب من الوصول إلى المراكز الامتحانية.
من جهته، أشار قتيبة عزام إلى أن الأهالي بذلوا جهوداً كبيرة للوقوف إلى جانب أبنائهم الطلبة، لكن “استبداد المجموعات الخارجة عن القانون وحكم المنطقة بقوة السلاح كان أقوى من رغبة الطلاب وذويهم”.
ولفت مدير الأمن الداخلي إلى حالة استنكار واسعة بين الأهالي بسبب تسلّط هذه المجموعات على القرار في السويداء، مؤكداً أن “الوضع في المدينة يتجه من سيء إلى أسوأ”.
استعدادات الدولة وتسهيلاتها
رغم عودة الدعوات لإجراء الامتحانات داخل المدينة، فإن التسهيلات والظروف المناسبة، أُتيحت أمام الطلاب في مراكز ريف المحافظة الشمالي.
وأوضح عبد الباقي أن كوادر وزارة الداخلية وقيادة الأمن الداخلي والمحافظة أكملت استعداداتها على أكمل وجه، مؤكداً أن الدولة اتخذت جميع الإجراءات اللازمة لتأمين الطلاب والطالبات، بما في ذلك تجهيز أكثر من 30 مركزاً امتحانياً، وتوفير وسائل نقل مجانية، وجميع التسهيلات للحفاظ على مستقبلهم الدراسي.
وقد انطلقت الامتحانات عند الساعة الـ11صباحاً، بعد تأخير لساعات عدة نتيجة عرقلة المجموعات الخارجة عن القانون حركة الطلاب المتوجهين إلى مراكزهم.
وفي وقت لاحق، أكدت وزارة التربية والتعليم في بيان لها استمرار الدورة الامتحانية الاستثنائية في السويداء وفق البرنامج المقرر، رغم عجز جميع الطلاب عن الوصول إلى المراكز، معربة عن أسفها لحرمان بعضهم من أداء الامتحانات، رغم اكتمال الاستعدادات وفتح أبواب المراكز أمامهم.
ولم يكن هذا الحرمان طارئاً، إذ سبق أن قطعت المجموعات الخارجة عن القانون طريق دمشق – السويداء أمام طلاب المحافظة الراغبين في التقدم للامتحانات العامة في حزيران الماضي.
انفلات أمني مستمر
ما يحدث للطلاب في السويداء، ليس حادثة معزولة، بل جزء من نمط واضح من الترهيب والعنف الذي تمارسه الميليشيات المسلحة ضد كل من يحاول تطبيق القانون أو الدفاع عن حقوق المواطنين في السويداء، وفي حادثة مماثلة سبق أن تعرض المهندس خلدون شنان رئيس اتحاد الحرفيين، لاعتداء جسدي وحشي أدى إلى إصابته بجروح خطيرة في الرأس والعين، على خلفية قيامه بواجبه المهني في التصدي للأنشطة غير القانونية التي تمارسها شخصيات نافذة تابعة للميليشيات.
ووجّه المعتدون خلال الحادث تهديدات صريحة، قالوا فيها: “إن هذا مصير كل من يحاول إعاقتهم”، هذا الاعتداء الذي أدى لنقل شنان إلى دمشق لإجراء عملية جراحية دقيقة، يمثّل رسالة ترهيب واضحة لكل مسؤول يحاول التمسك ببقايا القانون في محافظة أصبحت ساحة مفتوحة لنهب الثروات وتصفية الحسابات.
موقف دولي ودعم رسمي
على الصعيد الدولي، أعربت الأمم المتحدة عن قلقها إزاء التطورات في محافظة السويداء، بما في ذلك تقارير عن منع الطلاب من الوصول إلى مراكز الامتحانات، وفرض قيود على حريتهم في التنقل، ودعت إلى ضمان تمكين الأطفال، بدعم من أولياء أمورهم، من ممارسة حقهم في التعليم دون ضغوط أو تعطيل.
ورحّبت الأمم المتحدة بالمرسوم الرئاسي رقم 163 الصادر في 19 آب 2026، والذي يمنح طلاب محافظة السويداء دورة امتحانية استثنائية لشهادتي التعليم الأساسي والثانوية العامة.
وأصدر السيد الرئيس أحمد الشرع في 19 آب الجاري، المرسوم القاضي بمنح أبناء السويداء دورة استثنائية للتقدم إلى امتحانات الشهادتين بكل فروعها، في وقت تواصل فيه المجموعات الخارجة عن القانون عرقلتها ومنع الطلاب من الوصول إلى مراكزهم.


