مع تسليم القوات الأمريكية قاعدة “قسرك”، آخر مواقع التحالف الدولي في سوريا للدولة السورية، ينتهي الوجود العسكري الأمريكي المباشر داخل الأراضي السورية، الذي بدأ عام 2014 في إطار الحرب على تنظيم داعش.
خطوة الانسحاب هذه كان قد سبقها انسحابات متتالية من عدة قواعد خلال الأشهر الماضية، ففي شباط الفائت تسلّم الجيش العربي السوري قاعدة الشدادي جنوبي الحسكة، تلا ذلك بأيام انسحاب من قاعدة التنف عند المثلث الحدودي السوري-العراقي-الأردني، ثم في آذار أعلنت وزارة الدفاع، تسلّم قاعدة رميلان شمالي شرقي الحسكة.
ترحيب رسمي
وزارة الخارجية والمغتربين رحّبت في بيان رسمي بعملية التسليم، معتبِرة أنها مؤشر على استعادة الدولة سيادتها.
وأوضحت أن السيطرة على مناطق الشمال الشرقي والحدود جاءت نتيجة جهود سياسية وعسكرية متواصلة لتوحيد البلاد ضمن إطار دولة واحدة.
وأشارت الوزارة إلى أن اكتمال تسليم المواقع الأمريكية تزامن مع نجاح عملية دمج قوات قسد ضمن البُنى الوطنية.
كما أكدت الوزارة أن قرار واشنطن إنهاء مهمتها العسكرية يعكس تقييماً مشتركاً بتغير الظروف التي استدعت وجودها سابقاً، والمتمثلة بمواجهة صعود تنظيم داعش، مؤكدة أن الدولة باتت قادرة على قيادة جهود مكافحة الإرهاب من الداخل بالتعاون مع المجتمع الدولي.
وأضاف بيان الخارجية أن عملية التسليم جرت بمهنية عالية وبالتنسيق الكامل بين الحكومتين السورية والأمريكية، تعكس تطور العلاقات بين دمشق وواشنطن عقب اللقاء الذي جمع السيد الرئيس أحمد الشرع ونظيره الأمريكي دونالد ترامب في البيت الأبيض في تشرين الثاني الفائت.
الرئيس الشرع، قال في لقاء خاص مع وكالة الأناضول التركية، الخميس 16 نيسان: “خرجت اليوم آخر قاعدة أجنبية من شمال شرق سوريا، وتتم عمليات الدمج بين قسد والدولة السورية وهذا إنجاز كبير لمصلحة سوريا”.
ثقة أمريكية بالمسار السوري
يرى الباحث والمحلل السياسي عباس شريفة، أن استكمال الانسحاب الأمريكي الذي بدأ مباشرة بعد إبرام اتفاق 29 كانون الثاني بين الدولة السورية وقسد حول الاندماج الكامل مؤشر مهم جداً على ثقة الولايات المتحدة بالمسار السياسي والدبلوماسي الذي سارت به الدولة السورية لإنهاء ملف شمال شرق سوريا”.
ويضيف شريفة في حديث لموقع الإخبارية أن الانسحاب الأمريكي يعكس أيضاً ثقة الولايات المتحدة بقدرة الدولة السورية على مواجهة تنظيم داعش وخطر الإرهاب، ويشير إلى أن عودة هذا الخطر أصبحت شيئاً من الماضي مع وجود قوات الدولة السورية وبسط سيطرتها على كامل التراب السوري.
ويمثل التنسيق بين دمشق وواشنطن في عملية التسليم اعترافاً استراتيجياً كاملاً، بحسب شريفة، الذي أشار إلى أن العلاقة بينهما تحولت إلى شبكة استراتيجية في ملفات المنطقة والملفات المتعلقة بالوضع في سوريا.
ويعتبر شريفة أن الانسحاب سيعجّل من دمج قسد في الجيش العربي السوري وقوات الأمن، ما يسرّع تشكيل المؤسسات العسكرية والأمنية وإعادة تفعيل الإدارة المدنية”.
إبعاد خطر التقسيم
ووفق شريفة فإن نجاح الحراك الدبلوماسي السوري كان عاملاً حاسماً في إبعاد خطر التقسيم، حيث يقول في هذا الصدد إن “الدولة السورية تصرفت بمسؤولية وبخبرة سياسية عميقة تجاه مشاريع التقسيم، التي كانت تهدد فعلاً وحدة التراب السوري، وذلك من خلال الاعتراف بحقوق مكوّنات الدولة السورية، خصوصاً بعد إقرار القانون رقم 13 الذي اعترف بالحقوق التاريخية للمكوّن الكردي، ما أنهى تماماً مشروع التقسيم في سوريا”.
ويعتقد شريفة أن مجموعة الإجراءات العسكرية والأمنية والسياسية التي قامت بها الدولة السورية خلال الفترة الماضية أجهضت هذا المشروع، وجعلت خيار وحدة سوريا هو الخيار الذي تدفع باتجاهه كل دول العالم، من خلال النشاط غير المسبوق للدبلوماسية السورية مع الدول الإقليمية المؤثرة ومع الولايات المتحدة الأمريكية التي صرّحت أكثر من مرة بأنها تريد دولة سورية واحدة، جيشاً واحداً، وحكومة واحدة.
تحديات المرحلة المقبلة
ويمثل الانسحاب الأمريكي تثبيتاً لواقع جديد يقوم على احتكار الدولة السورية لاستخدام القوة داخل أراضيها، وهو ما يعزز موقعها السياسي والدبلوماسي بعد سنوات من تعدد الفاعلين. ويرتبط ذلك أيضاً بملف مكافحة الإرهاب، الذي باتت الدولة تديره منفردة بالتعاون مع المجتمع الدولي.
ورغم المكاسب السياسية، يرى الخبير العسكري والاستراتيجي العميد الركن مصطفى الفرحات، أن الانسحاب يفرض تحديات أمنية حقيقية، قائلاً: “رغم أن تسلّم الدولة للقواعد يعزز سيادتها، إلا أنه يفرض تحديات أبرزها التعامل مع خلايا داعش التي تعتمد على أساليب حرب العصابات.”
ويضيف الفرحات لموقع الإخبارية أن غياب الدعم الاستخباراتي والتقني الأمريكي قد يخلق فجوة تحتاج الدولة إلى وقت لتعويضها.
ويشير إلى أن القوات السورية تمتلك خبرة ميدانية كبيرة، لكنها تحتاج إلى أدوات استخباراتية متقدمة وتنسيق محلي فعّال، خاصة في مناطق الشرق السوري.
وحسب ما يراه الفرحات، فإن اللحظة الراهنة تضع الدولة السورية أمام فرصة تاريخية لاستعادة سيادتها الكاملة، لكنها في الوقت ذاته تفرض عليها تحديات معقدة تتطلب إدارة دقيقة ومتوازنة، فنجاح هذه المرحلة لا يتوقف فقط على ملء الفراغ العسكري، بل على بناء منظومة أمنية متكاملة قادرة على التعامل مع التهديدات غير التقليدية، وعلى ترسيخ الاستقرار في بيئة إقليمية شديدة التقلب.



