في خطوة نوعية نحو بيئة أكثر نظافة وصحة، ومواكبة للمعايير الدولية في مجال الرصد البيئي، تواصل وزارة الإدارة المحلية والبيئة تنفيذ برنامجها الوطني لرصد جودة الهواء، الذي انطلق من دمشق في خطوة توصف بأنها تأسيسية لسياسات مستقبلية تقوم على معطيات دقيقة وموثوقة.
ويهدف البرنامج في جوهره إلى بناء منظومة رصد بيئية مستدامة في سوريا، تقوم على قياس الملوثات الأساسية ضمن شبكة من المحطات الموزّعة جغرافياً، ولا يقتصر الأمر على القياس بحد ذاته، بل يمتد إلى بناء قاعدة بيانات وطنية دقيقة وشاملة حول جودة الهواء.
دمشق نقطة البداية للتجربة
قال مدير العلاقات العامة في الوزارة، علي الحمد، في تصريح خاص لموقع الإخبارية، إن اختيار العاصمة دمشق يستند إلى اعتبارين رئيسيين:
أولهما الواقع البيئي، فهي من أكثر المدن السورية تأثراً بمصادر التلوث، إذ تشير التقديرات إلى أن انبعاثات عوادم السيارات مسؤولة بنسبة تتراوح بين 60 و70 بالمئة عن تلوث الهواء في دمشق، خاصة السيارات القديمة والميكروباصات التي تعمل بوقود الديزل، فضلاً عن المولدات الكهربائية المنتشرة فيها.
أما البعد الثاني فهو البعد المؤسسي والتقني، فاختيار دمشق منطقي علمياً وتقنياً، باعتبارها مركز الإدارة المركزية، وموقع الكفاءات والبنية التحتية القادرة على احتضان تجربة من هذا الحجم، تمهيداً لتعميمها.
وأضاف أن المشروع بدأ من دمشق، ثم حلب، وسينتقل بعدها إلى بقية المحافظات مع الاستفادة من الحلول الموضوعة، علماً أن المرحلة الأولى تستمر نحو 6 أشهر يُطرح خلالها الحلول.
بيانات دقيقة لدعم صناع القرار
أكد الحمد أن البرنامج يهدف إلى تقديم بيانات صحيحة تدعم مشاريع وصناع القرار في قطاعات النقل والطاقة والصناعة والتخطيط العمراني، موضحاً أن القرار البيئي السليم يحتاج إلى أرضية رقمية موثوقة، وهو ما يوفره البرنامج عبر توفير معطيات دقيقة تسد ثغرات الرصد السابقة في مجال الرصد البيئي.
وأضاف أن المشروع يسهم في تعزيز التزامات سوريا الدولية في مجال التغير المناخي وتحسين جودة الحياة الحضرية، إضافة إلى تشخيص أسباب التلوث وتحديد مصادرها، ثم العمل مع الوزارات المعنية على بلورة حلول واقعية.
المؤشرات التي تقيسها منظومة الرصد
أوضح الحمد أن المنظومة تشمل قياس مجموعة واسعة من المؤشرات، موزّعة على الفئات التالية:
الملوّثات الغازية: أكاسيد الآزوت (أول أوكسيد الآزوت NO، وثاني أوكسيد الآزوت NO₂)، وتُعد أكاسيد النيتروجين من الملوثات الرئيسية التي حددتها منظمة الصحة العالمية في إرشاداتها المحدثة لجودة الهواء لعام 2021، حيث أوصت بألا يتجاوز متوسط ثاني أكسيد النيتروجين السنوي 10 ميكروغرام/متر مكعب، والأوزون الأرضي (O₃)، مع تمييزه عن الأوزون الجوي، وتُوصي إرشادات المنظمة بألا يتجاوز متوسط الأوزون خلال موسم الذروة 60 ميكروغرام/متر مكعب، بالإضافة إلى أول أوكسيد الكربون (CO) وثاني أوكسيد الكربون (CO₂)، وتُوصي المنظمة بألا يتجاوز متوسط أول أكسيد الكربون على مدى 24 ساعة 4 ميليغرام/متر مكعب، إضافة إلى كبريت الهيدروجين (H₂S).
الجسيمات والعوالق: العوالق الهوائية، أي الجسيمات العالقة (PM10) والمعادن الثقيلة. وتنص إرشادات منظمة الصحة العالمية لعام 2021 على ألا يتجاوز المتوسط السنوي لـ PM10 حدود 15 ميكروغرام/متر مكعب، والمتوسط اليومي 45 ميكروغرام/متر مكعب، وتكتسب هذه الجسيمات أهمية خاصة لقدرتها على النفاذ إلى أعماق الجهاز التنفسي، والتسبب في تأثيرات قلبية وعائية وتنفسية، وقد صنفتها الوكالة الدولية لبحوث السرطان عام 2013 ضمن مسببات السرطان.
البيانات المناخية المرافقة: كسرعة الرياح واتجاهها، ودرجة الحرارة، والرطوبة، والضغط الجوي، وهطول الأمطار، إضافة إلى مؤشرات إضافية كالضجيج باعتباره أحد عناصر التلوث البيئي.
التنبؤ بالظواهر المناخية
أوضح الحمد أن البيانات المناخية المرافقة للقياس ليست مخصّصة للتنبؤ بالمناخ بحد ذاته، بل هي أداة تكميلية لفهم سلوك الملوثات، مشيراً إلى أن هذه البيانات تُستخدم لرسم ما يعرف بـ”وردة التلوث” (Pollution Rose)، وهي تمثيل بياني يربط بين تركيز الملوثات ومعطيات الرياح (سرعتها واتجاهها).
ولفت إلى أن هذه الأداة تُعتبر معياراً في دراسات جودة الهواء، حيث تحل سرعة الرياح محل تركيز الملوثات لتوضيح العلاقة بين أنماط الرياح ومستويات التلوث، مما يمكن من تحديد مصادر التلوث جغرافياً (من أي اتجاه تأتي)، وفهم كيفية انتقال الملوثات وتراكمها في مناطق دون أخرى، إضافة إلى التنبؤ بمستويات التلوث المتوقعة في ظروف مناخية معينة، مؤكداً أن البيانات المناخية تخدم القراءة البيئية، لا العكس.
معايير دولية لتقييم جودة الهواء
أشار الحمد إلى أن البرنامج يعتمد على مرجعيتين متكاملتين: المواصفة القياسية السورية لتركيز الملوثات، ومعايير منظمة الصحة العالمية (WHO Air Quality Guidelines) الصادرة في تحديثها الأخير عام 2021.
وقد شهد هذا التحديث تشديداً ملحوظاً في المستويات الموصى بها مقارنة بنسخة 2005، استناداً إلى مراجعة منهجية لأكثر من 500 ورقة علمية، حيث خُفض المتوسط السنوي المسموح به لـ PM2.5 من 10 إلى 5 ميكروغرام/متر مكعب، ولـ PM10 من 20 إلى 15 ميكروغرام/متر مكعب، ولثاني أكسيد النيتروجين من 40 إلى 10 ميكروغرام/متر مكعب.
ولفت إلى أن هذا الازدواج مقصود؛ فالمواصفة الوطنية تضمن انسجام القياسات مع الإطار التشريعي المحلي، بينما يضمن الاستناد إلى معايير منظمة الصحة العالمية موثوقية المخرجات على المستوى الدولي، وقابليتها للمقارنة مع تجارب الدول الأخرى.
وأشار إلى أن المشروع يأتي في سياق مشاركة سوريا بعد التحرير بفعاليات في عدد من المؤتمرات الدولية والإقليمية المعنية بالصحة والبيئة وتغير المناخ، ومنها المؤتمر العالمي الثاني لمنظمة الصحة العالمية بشأن تلوث الهواء والصحة في كولومبيا، والدورة الـ72 للجنة الإقليمية لمنظمة الصحة العالمية لشرق المتوسط في تشرين الأول 2025.



