قدّم السيد الرئيس أحمد الشرع، في مقابلة خاصة مع قناة الجزيرة سرداً واسعاً لمحطات حياته الشخصية والسياسية والعسكرية، كاشفاً عن جذور تكوينه الفكري، وتجربته في العراق والسجن، ثم دوره في الثورة السورية، وصولاً إلى رؤيته لإدارة الدولة بعد التحرير.
واستعرض الرئيس الشرع تفاصيل دقيقة عن طفولته، ونشأته، وتأثير بيئته العائلية، إضافة إلى مسار العمل الثوري، والصدام مع تنظيم داعش، وتجربة إدلب، وصولاً إلى دخول دمشق وما تلاه من خطوات لبناء مؤسسات الدولة.
النشأة.. أثر البيئة والاستقرار والانتماء
حول مرحلة الطفولة، أكد الرئيس الشرع، أن الاستقرار في سنوات النشأة يصنع شعور الانتماء لدى الإنسان، وأن الحي الذي يعيش فيه الطفل يترك أثراً عميقاً في داخله.
وأشار إلى أن أسرته كانت بيئة مثقفة؛ فوالده درس الاقتصاد والعلوم السياسية وكان مهتماً بالشأن العام، وينحدر من الجولان المحتل، بينما كانت والدته معلمة جغرافيا تحمل دبلوماً وتكتب الشعر النثري.
وأوضح أنه ولد في السعودية وعاد إلى سوريا في سن السابعة، حيث بدأ دراسته الابتدائية، مؤكداً أن أسرته أولت اهتماماً كبيراً للتعليم،
ووصف الرئيس الشرع الحي الذي نشأ فيه بأنه كان مبنياً وفق نظام الإسكان العسكري، قبل أن يتحول إلى بيئة متنوعة تضم موظفين وتجاراً ومسؤولين، ما خلق حالة اجتماعية غنية أثرت في تكوينه.
وأشار إلى أن أسرته كانت ميسورة لكنها خسرت أملاكها بسبب النزوح، معتبراً أن الهجرة “من أصعب العقوبات البشرية لأنها تصفّر العداد التاريخي للأسرة”.
وأضاف أن مشاهد النزوح التي رآها لاحقاً في إدلب رسخت هذا المعنى لديه، حيث كان النازحون يخرجون بثيابهم فحسب ليبدؤوا حياة جديدة.
الجولان وفلسطين.. ذاكرة يومية في المنزل
وأكد الرئيس الشرع أن الحديث عن الجولان كان جزءاً يومياً من حياة الأسرة، وأن والده كان ذا ميول ناصرية وقومية عربية، ما خلق لديه ارتباطاً بالقضية الفلسطينية، خصوصاً في ظل أحداث التسعينيات، والاجتياحات الإسرائيلية للبنان، والحرب العراقية الإيرانية.
ولفت إلى أن الخطاب العربي في تلك المرحلة كان موجهاً بقوة نحو فلسطين، وأن التوترات السياسية أصبحت جزءاً من حياته.
وأكد الرئيس الشرع أن الخطاب الناصري في المنزل أثّر في توجهه السياسي والأخلاقي، لكنه يرى أن التجربة القومية لم تقدّم جواباً ناجحاً، وأن المنطقة شهدت نكسات وانغلاقاً، ما دفعه للاعتقاد بأن القضايا المطروحة أكبر من طاقة القيادات الموجودة آنذاك.
فصل بين الدين والاجتهادات البشرية
وشدد الرئيس الشرع على ضرورة التفريق بين الإسلام والتجارب الإسلامية، موضحاً أن التجارب تتضمّن اجتهادات بشرية قد لا تراعي الواقع.
وقال إنه لم يلتزم بقواعد الحركات الإسلامية رغم اطلاعه عليها، وأنه حاول التفكير بطريقة مستقلة بعيداً عن الإرث الثقافي للجماعات، مع الإيمان بمبادئ عامة مثل خدمة الناس والدفاع عنهم ورفع الظلم.
ووصف الرئيس الشرع واقع دمشق في شبابه بأنها بيئة رافضة للنظام البائد لكنها مسالمة وغير قادرة على تغييره.
وأشار إلى أن أبناء المسؤولين كانوا يتخلون عن امتيازاتهم داخل المجتمعات الضيقة، وأنه كان يشعر بواجب تجاه الشعب ويتحسر على حال البلاد.
الذهاب إلى العراق
وروى الرئيس الشرع تفاصيل ذهابه إلى العراق في 15 آذار 2003 قبل دخول القوات الأمريكية، مستخدماً جواز سفر عادياً ومن دون علم أسرته، وقال إن هدفه كان أداء واجب رآه ضرورياً.
تجربة العراق والسجن
ووصف الرئيس الشرع الواقع العراقي بأنه صعب ومعقّد، وأنه استفاد من التعرّف إلى الحالة العشائرية وكرم العراقيين.
ولفت إلى أن الحرب تحولت إلى حرب أمنية، وأن أخطاء كثيرة وقعت. وبعد القبض عليه، سُجن نحو خمس سنوات، حيث دخل السجن باسم “أمجد مظفر حسين”، وهو اسم مستعار كان والده يستخدمه سابقاً.
وقال الرئيس الشرع إن السجن كان مرحلة مهمة في تطور أفكاره، حيث ازدادت ملاحظاته على الجماعات الجهادية، التي رأى أنها بعيدة عن الواقع في بعض تصوراتها، وأن سلوك بعض الفصائل أثار نقمة الناس.
وأضاف أنه ركّز على القراءة والبحث، وكتب في مجالات نصحية، وسعى إلى حل مشكلات السجن بطريقة مختلفة، مؤكداً أن أهم خلاصة خرج بها هي ضرورة عدم نقل أخطاء العراق إلى سوريا، لأن لكل بلد ظروفه الخاصة.
العودة إلى سوريا ونموذج إدلب
وذكر الرئيس الشرع أنه عاد من العراق إلى سوريا في آب 2011، بعد خمسة أشهر من انطلاق الثورة، وتنقل بين الحسكة وحلب ودمشق، لافتاً إلى أنه بدأ بخمسة أشخاص فقط، قبل أن يتوسع العمل لاحقاً.
وأشار إلى انه بعد الصدام مع تنظيم داعش، أعاد تأسيس العمل من نحو 30 بالمئة مما كان موجوداً، واصفاً ظروف العمل بأنها صعبة، وأن الثورة كانت تعاني التشتت ووجود مئات الفصائل.
وأوضح أن خبرته العسكرية تشكّلت ميدانياً، لكنه كان يرى أن العمل العسكري مجرد أداة ضمن منظومة أكبر تشمل الإعلام والإدارة والاقتصاد.
وأكد الرئيس الشرع أن الهزائم كانت أهم مصدر للتعلم، وأنهم اعتمدوا على موارد اقتصادية في إدلب لتغذية العمل العسكري والخدمي.
وقال إنهم بنوا نموذجاً متقدماً في إدلب يشمل مجلس شورى وقوانين وجامعات ومدناً صناعية وأحياء سكنية وكهرباء على مدار الساعة، وأن المنطقة أصبحت جاذبة للنازحين.
ردع العدوان.. نقطة تحول
وشرح الرئيس الشرع أن معركة ردع العدوان جاءت بعد خسارة مساحات واسعة عام 2019، وأنهم أعادوا تهيئة القوى وتوحيدها، وفصلوا العمل العسكري عن المدني عبر حكومة الإنقاذ.
ولفت إلى أن القرار العسكري كان صعباً لكنه وطني، وأن الإعداد الصحيح والاهتمام بالاقتصاد حققا نجاحاً فاجأ العالم.
دخول دمشق.. لحظة فارقة
وشدد الرئيس الشرع على أن دمشق لم تغب عن عينيه لحظة، وأنه كان يراها هدفاً يومياً، مشيراً إلى أنه أوصى إخوته منذ 2012 بصناعة منبر ليُنقل إلى دمشق، لكنه نسي الأمر عند الدخول، وكان منبر الجامع الأموي كافياً.
ووصف سجود الشكر وخطبة الجامع الأموي بأنهما لحظة فارقة شعر فيها باطمئنان يقيني، لأنه رأى هذا المشهد في خياله مراراً.
بعد التحرير.. ضبط السلاح وبناء الدولة
وقال الرئيس الشرع: إن الأولوية بعد التحرير كانت ضبط السلاح وتحويل الفصائل إلى جيش ونظام وقانون، ومعالجة أحقاد السلم الأهلي، وكشف مصير أكثر من 250 ألف مفقود، منوهاً إلى أنهم فتحوا صفحة جديدة مع الجميع باستثناء مرتكبي الجرائم المنظمة.
وأكد أن نجاحهم كان في دمج الخبرات الوطنية والوصول إلى قانون ناظم ومأسسة العمل بعيداً عن المزاجية، وأن سوريا تحتاج إلى حلول خارج الصندوق ومصداقية للبدء من جديد.
واختتم الرئيس الشرع حديثه بالتأكيد على أن السياسة السورية تقوم على الحذر واليقظة وقراءة الأحداث المتسلسلة، وأن موقع سوريا الاستراتيجي يجعلها محاطة بالمخاطر دائماً، لكن الرهان الأساسي يبقى على وعي الشعب وبناء الدولة.


