ما تزال مناطق جنوب إدلب تواجه تحديات كبيرة في طريق استعادة الحياة الطبيعية، رغم بدء عودة الأهالي إليها بعد سنوات من الغياب، إذ تصطدم هذه العودة بواقع خدمي صعب نتيجة الأضرار التي لحقت بالبنية التحتية والمرافق العامة، مما يجعل إعادة تأهيل الخدمات الأساسية من كهرباء ومياه وصحة وتعليم عاملاً حاسماً في تثبيت السكان العائدين وتشجيع مزيد من العائلات على الرجوع إلى بلداتها.
واقع خدمي صعب
في مدينة معرة النعمان، يوضح أحد السكان خالد العبد الله للإخبارية أن عودة الأهالي ما تزال تواجه صعوبات مرتبطة بحجم الأضرار التي طالت المرافق العامة، مشيراً إلى أن كثيراً من العائلات ترغب بالعودة إلى منازلها، لكنها تحتاج إلى توفر الخدمات الأساسية التي تتيح لها الاستقرار ومواصلة حياتها اليومية.
ويشير العبد الله إلى أن نقص بعض الخدمات، ولا سيما الكهرباء والمياه والرعاية الصحية، يزيد من صعوبة الظروف المعيشية، مؤكداً أن إعادة تأهيل المنشآت العامة وتحسين الواقع الخدمي سيشكلان عاملاً مهماً في تسريع عودة السكان واستقرارهم.
وفي بلدة معصران بريف إدلب الجنوبي، يبين يوسف الحسن للإخبارية أن الأهالي العائدين يحاولون التأقلم مع واقع المنطقة رغم الظروف الحالية، لافتاً إلى أن الأضرار التي طالت المدارس والمرافق الخدمية وشبكات البنية التحتية ما تزال تعيق استقرار السكان.
ويضيف الحسن أن توفير الخدمات الأساسية سيسهم في تثبيت العائلات العائدة، خاصة أن الكثير من السكان يمتلكون الرغبة في العودة، إلا أنهم يحتاجون إلى بيئة خدمية مناسبة تساعدهم على استئناف أعمالهم وحياتهم بشكل طبيعي.
وفي قرى ريف معرة النعمان، يؤكد أحمد السالم أن السكان يواجهون تحديات يومية بسبب نقص الخدمات، موضحاً أن تأمين الكهرباء والمياه وإعادة تشغيل المرافق الصحية والتعليمية تمثل أولويات أساسية بالنسبة للأهالي الراغبين بالعودة.
ويشدد السالم في حديث للإخبارية على أن عودة الحياة إلى هذه المناطق لا ترتبط فقط بإعادة تأهيل المنازل، بل تحتاج إلى إعادة بناء البنية التحتية والخدمات العامة التي تعد الأساس لاستقرار السكان وعودة النشاط الاقتصادي والاجتماعي إلى المنطقة.
من محطتين إلى 24.. المعرة تعيد بناء شبكتها
بدوره، يؤكد مسؤول علاقات منطقة معرة النعمان بلال مخزوم أن تأخر إعادة التيار الكهربائي إلى المدينة والقرى المحيطة بها يعود بشكل رئيسي إلى حجم الأضرار الكبيرة التي لحقت بالبنية التحتية، إذ تعرضت أبراج الكهرباء وخطوط النقل والشبكات الأرضية للتدمير والسرقة، مما أدى إلى بطء تنفيذ أعمال إعادة التأهيل.
وبيّن مخزوم في تصريحات للإخبارية أن واقع الشبكة قبل بدء العمل كان متدهوراً بشكل كبير، إذ كانت المدينة تضم نحو 72 محطة تحويل، ولم يكن يعمل منها عند دخول فرق العمل سوى محطتين فقط، فيما ارتفع العدد حالياً إلى نحو 12 محطة مركبة، مع وجود 12 محطة أخرى قيد التنفيذ، ومن المتوقع أن تسهم المحطات الـ24 بعد استكمالها في تغطية احتياجات المدينة وفق عدد السكان الحالي.
تغذية الكهرباء ارتفعت من 2% إلى 50%
وأوضح أن أعمال إعادة التأهيل حققت تقدماً ملحوظاً، إذ ارتفعت نسبة تغذية المنطقة من نحو 1 إلى 2% عند بدء العمل إلى ما يقارب 40 إلى 50 بالمئة حالياً، مشيراً إلى وجود خطة لاستكمال تغذية مدينة معرة النعمان بالكامل مع نهاية عام 2026.
وأضاف أن التوسع في أعمال التأهيل لم يقتصر على المدينة، بل امتد باتجاه الريف، وشمل خطوط دير الشرقي ودير الغربي وطريق معشورين وطريق سلمى وتل منس، إضافة إلى مناطق في الريف الغربي، بالتوازي مع العمل على تأهيل وتشغيل عدد من المحطات المغذية، ومنها محطة بسيدا التي تغذي المنطقة، ومحطة البارة التي تغذي جبل الزاوية وريف المعرة الغربي، ومحطة التراقب التي تغذي منطقة خان السبل باتجاه الجنوب الشرقي.
وأشار مخزوم إلى اقتراب إدخال 3 محطات كهربائية إلى الخدمة في الريف الغربي، بينها محطة البارة، الأمر الذي سيسهم في تحسين توزيع الطاقة وتوسيع نطاق التغطية في المنطقة.
مشاريع التوسعة تواجه تحديات التمويل
وحول الجانب الفني، لفت مخزوم إلى أن فرق العمل تواصل مد كابلات التوتر المتوسط والعالي بجهد 66 كيلوفولتاً، موضحاً أنه جرى إيصال الخط من سراقب إلى محطة صيدا ومحطة البارة، فيما أنجزت المرحلة الأخيرة من التوصيل مؤخراً في محطة تفيدا.
وأكد أن المشاريع تنفّذ وفق الخطط الموضوعة بعد طرحها عبر مناقصات، مع استمرار تجهيز الشبكات قبل وصول مصادر التوليد لضمان جاهزيتها، مبيناً أن أبرز التحديات التي تواجه استكمال الأعمال تتمثل في تأمين التمويل المالي، نظراً إلى ارتفاع تكاليف مد خطوط التوتر العالي والمتوسط والمنخفض وحجم الأعمال المطلوبة لإعادة بناء الشبكة.
وشدد مخزوم على أن إعادة تأهيل الشبكات لا تمثل الحل الوحيد، بل ترتبط بشكل مباشر بتأمين مصادر التوليد، موضحاً أن إنشاء محطات توليد جديدة قد يحتاج إلى فترة تتراوح بين 2-3 أعوام، وأن الكهرباء المستوردة من تركيا لا تغطي حالياً احتياجات المنطقة وفق حجم الاستهلاك المطلوب.
وأوضح في ختام حديثه أن الوعود الرسمية تشير إلى إمكانية استكمال تغطية مدينة معرة النعمان بالكهرباء حتى نهاية عام 2026 وفق أعداد السكان الحالية، في حين لا يوجد جدول زمني محدد لتغطية المنطقة بشكل كامل، مع استمرار تنفيذ المشاريع بحسب الأولويات والإمكانات المتاحة.
وتظهر التقديرات الميدانية وحجم الأضرار المسجلة في ريف إدلب الجنوبي أن نسبة الدمار في عدد من المناطق تتراوح بين 50 و80%، بين أضرار كلية وجزئية طالت المنازل والمنشآت والبنى التحتية.
ووثقت تقارير ميدانية، من بينها تقارير الشبكة السورية لحقوق الإنسان، بالاعتماد على صور الأقمار الصناعية، تعرض مناطق عدة، بينها خان شيخون وكفرنبل، لدمار واسع نتيجة القصف المكثف من قبل النظام البائد خلال سنوات الثورة السورية، مما أدى إلى تراجع الخدمات الأساسية وعرقلة عودة السكان إلى مناطقهم.



