بعيداً عن بؤرة الحرب الدائرة بين الولايات المتحدة وإسرائيل وبين إيران تتجه الأضواء نحو جزيرة قبرص، حيث شرعت الدول الأوروبية بتشكيل تحالف للدفاع عن الجزيرة المتوسطية بعد تعرّضها لاستهداف بمسيّرات إيرانية، على الرغم من تأكيد نيقوسيا حيادها في هذه المواجهة، فما أهمية تلك الجزيرة بالنسبة للاتحاد الأوروبي؟ ولماذا تعرّضت لهجمات الآن؟
مع بداية آذار الحالي، أكد مسؤولون قبرصيون وبريطانيون أن طائرة مسيّرة استهدفت قاعدة جوية بريطانية في قبرص، مما تسبب في أضرار محدودة من دون وقوع إصابات.
وبعد الاستهداف، أوضح متحدث باسم الحكومة القبرصية، في 2 آذار، أن قاعدة سلاح الجو الملكي البريطاني كانت هدفاً لهجوم بطائرات مسيّرة إيرانية الصنع وليس قبرص نفسها.
هذا الحياد القبرصي يدعمه إعلان الرئيس نيكوس كريستودوليدس، أن قبرص لا تشارك بأي شكل من الأشكال في العمليات العسكرية الجارية، وليس لديها أي نية لتكون جزءاً من هذا الصراع.
وجاء هذا الهجوم الأول من نوعه في ظل الصراع الجاري، بعد أن نقلت بريطانيا عتاداً جوياً إضافياً إلى قاعدة “أكروتيري” تحسباً لقيام الولايات المتحدة بعمل عسكري ضد إيران في الأسابيع القليلة الماضية، وفقاً لبي بي سي.
وانطلقت المسيّرة من لبنان، بحسب تصريح لوزير الخارجية القبرصي كونستانتينوس كومبوس، الأحد 8 آذار، ليرد وزير الخارجية والمغتربين اللبناني يوسف رجي بأن استهداف قبرص لا يمثّل لبنان، مشيراً إلى أن بلاده “لن تكون منصة لتنفيذ أجندات خارجية”.
ولم يعلن “حزب الله” اللبناني مسؤوليته عن الهجوم حتى الآن، لكنه سبق أن هدد بشكل مباشر في حزيران 2024 باستهداف الجزيرة في حال استخدام إسرائيل منشآتها العسكرية لتوجيه هجمات على لبنان.
تحرك غربي مشترك
بعد الهجوم مباشرة، سارعت بريطانيا إلى إرسال قطع ومعدات حربية للدفاع عن الجزيرة، حيث أعلن رئيس الوزراء البريطاني كير ستارمر، الثلاثاء 3 آذار، إرسال السفينة الحربية “دراجون” إلى المنطقة.
كما أمر الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون حاملة الطائرات “شارل ديغول” وطائراتها وفرقاطاتها المرافقة بالإبحار إلى سواحل قبرص، كاشفاً عن نشر طائرات “رافال” وأنظمة دفاع جوي ورادارات في الساعات القليلة القادمة.
من جهته، أعلن وزير الدفاع اليوناني نيكوس ديندياس، في تصريح لقناة “إي آر تي نيوز” اليونانية نقلته صحيفة “الشرق الأوسط” في 2 آذار الجاري، أن بلاده سترسل مقاتلات من طراز F-16 إلى قبرص، إضافة إلى فرقاطتين حربيتين مزودتين بنظام مضاد للطائرات المسيّرة، في حين أعلنت وزارة الدفاع الإسبانية في بيان نقلته “رويترز” في 5 آذار الحالي أنها سترسل فرقاطة برفقة حاملة طائرات فرنسية وسفن تتبع للبحرية اليونانية.
قبرص في دائرة الصراع
يمثّل استهداف الجزيرة تطوراً لافتاً في الحرب الأمريكية الإسرائيلية مع إيران، فهو أول تصعيد يستهدف الحدود الشرقية للاتحاد الأوروبي وأراضي دولة عضو فيه، في حين يقرأه خبراء على أنه مؤشر إلى رغبة طهران في توسيع دائرة الحرب إلى خارج منطقة الخليج العربي.
ويعد هذا الهجوم الأول من نوعه على منشأة عسكرية منذ عام 1986، وفقاً لوكالة “رويترز”.
أهمية قبرص
تتمتع الجزيرة بموقع جغرافي متميز، فهي من أكبر جزر البحر الأبيض المتوسط ونقطة التقاء بين أوروبا والشرق الأوسط، وتقع على مقربة من السواحل السورية واللبنانية، وتعد أقرب نقطة أوروبية إلى أحد أبرز المشاركين في الصراع (إسرائيل).
وتنامت العلاقات بين الجانبين، إذ نفّذت إسرائيل واليونان وقبرص في السنوات الأخيرة تدريبات عسكرية مشتركة، وفي كانون الثاني الفائت وقعت قبرص واليونان وإسرائيل خطة ثلاثية للتعزيز العسكري، فضلاً عن توقيع خطتي تعاون؛ الأولى بين الجيشين الإسرائيلي واليوناني والثانية بين الجيش الإسرائيلي والحرس الوطني القبرصي، وفقاً لـ DW.
وتضم الجزيرة قواعد عسكرية ومطارات قبرصية وأخرى بريطانية في قلب المتوسط، ما يمنحها ميزات تشبه حاملات الطائرات العائمة.
كما تحتفظ المملكة المتحدة بالسيادة على قاعدة “أكروتيري” وقاعدة “دكليا” بموجب معاهدة استقلال الجزيرة عام 1960، وتتمتع قاعدة أكروتيري بأهمية كبرى لعمليات سلاح الجو الملكي في الشرق الأوسط.
وفي عام 2015، شنّت بريطانيا غارات جوية على تنظيم “داعش” في سوريا باستخدام طائرات انطلقت من قاعدة جوية بريطانية في قبرص، بحسب بي بي سي.
وحتى اليوم، لم تستخدم بريطانيا وحليفتها واشنطن القواعد في قبرص في العمليات العسكرية الجارية طبقاً لكلام المسؤولين البريطانيين، حيث قال رئيس الوزراء البريطاني كير ستارمر، الأسبوع الماضي، إن بريطانيا لم تشارك في الهجوم الأميركي الإسرائيلي على طهران.
وبحسب ما نقلت وكالة “رويترز”، ذكرت وزيرة الخارجية البريطانية إيفيت كوبر لإذاعة “تايمز”، في 2 آذار، أن الولايات المتحدة لم تطلب استخدام قاعدة عسكرية بريطانية في قبرص.
كما أشار وزير الدولة البريطاني لشؤون الشرق الأوسط هاميش فالكونر، في حديث لقناة الجزيرة في بداية آذار الجاري إلى أن القاعدة التي تعرّضت للهجوم بمسيّرة لم تستخدم لشن أي هجوم على إيران.
غير أن وزارة الدفاع البريطانية أعلنت، في 7 آذار الحالي، أن الولايات المتحدة بدأت تستخدم قواعد بريطانية في “عمليات دفاعية”، وبالفعل حطّت قاذفات أميركية في قاعدة “راف فيرفورد” في مقاطعة “غلوسترشير”، بحسب ما نقلت وسائل إعلام.
تجدر الإشارة إلى أن جزيرة قبرص انقسمت عام 1974 إلى شطرين، هما جمهورية قبرص الجنوبية وجمهورية شمال قبرص التركية، يفصل بينهما منطقة عازلة تابعة للأمم المتحدة.




