تحقيق يكشف مخاطر الألغام التي نشرتها قوات النظام البائد في الأراضي الزراعية

تحقيق يكشف مخاطر الألغام التي نشرتها قوات النظام البائد في الأراضي الزراعية

كشف تحقيق صحفي عن قيام النظام البائد بزراعة عشرات الآلاف من الألغام في المناطق الزراعية والمدنية التي كانت خطوط تماس بين ميليشيا النظام البائد وفصائل الثورة السورية، في عملية ممنهجة تسببت بمقتل وإصابة الآلاف من السوريين، وما زالت تشكل خطراً مستمراً قد يستمر لعقود على حياة العائدين إلى قراهم بعد التحرير.

ووفقاً للتحقيق الذي أجرته “الوحدة السورية للصحافة الاستقصائية – سراج” بالتعاون مع مركز مرونة المعلومات (CIR)، فإن مساحات شاسعة من الأراضي الزراعية في ريف إدلب وشمال سهل الغاب وريف اللاذقية لا تزال تعج بالألغام، حيث قدر فريق التحقيق أن 13 ألفاً و700 هكتار من الأراضي معرضة لخطر الألغام، بتكلفة إزالة تصل إلى 137 مليون دولار أمريكي.

مأساة يومية بعيون الضحايا

في السابع من شباط الماضي وأثناء لهو الطفلة جنى رجبو بجوار منزل أقاربها المدمر في قرية عكو بريف اللاذقية، دوى انفجار لغم أرضي أدى إلى بتر قدمها اليمنى وإصابتها بشظايا في قدمها اليسرى، فيما وضع الأطباء أسياخاً حديدية لتثبيتها، وتعود الطفلة مع عائلتها إلى القرية بعد نزوح دام 12 عاماً إثر سقوط النظام.

ويقول عبد اللطيف رجبو، أحد أقرباء الطفلة، لـ”سراج”: “أزالت فرق الهندسة من أرضي 140 لغماً، من بينها لغم دبابة، إضافة إلى ثمانية صواعق لم نجد الألغام المرتبطة بها، نحن لا نخشى الألغام التي نراها، بل تلك المخفية”.

أرقام صادمة وكارثة إنسانية

أظهر تحقيق “سراج” أن الألغام التي زرعها النظام البائد أودت بحياة 3 آلاف و485 شخصاً، بينهم 872 طفلاً، منذ العام 2011 وحتى بداية العام الجاري، وفق توثيق الشبكة السورية لحقوق الإنسان.

وبعد التحرير، أودت الألغام بحياة 607 أشخاص بينهم 177 طفلاً، وأصابت 1087 آخرين بينهم 443 طفلاً، حتى 16 كانون الثاني الماضي بحسب عبد الرزاق قنطار، مدير إدارة دعم الضحايا في المركز الوطني السوري لمكافحة الألغام.

وكشف قائد عمليات فوج الهندسة في وزارة الدفاع ميسرة الحسن أن أعداد الوفيات والإصابات في مناطق خط التماس وحدها بين العامين 2020 و2024 بلغت نحو 15 ألف حالة.

منهجية لعقاب جماعي

يكشف التحقيق أن المناطق الزراعية كانت هدفاً رئيسياً لعمليات التلغيم التي نفذها النظام البائد ضمن منهجية متعمدة لإحداث أضرار بشرية ومادية وبيئية طويلة الأمد.

وأكد مدير العمليات في منظمة “هالو تراست” المتخصصة في إزالة الألغام مؤيد النوفلي في حديث لـ”سراج”، أن “النظام البائد كان يجري عمليات التلغيم بهدف حماية قواته وإيذاء المدنيين بشكل مباشر”، موضحاً أنه كان يعمد لاستهداف المنشآت المدنية والأراضي الزراعية.

وقال مدير الشبكة السورية لحقوق الإنسان فضل عبد الغني إن النظام عمل على تلويث الأراضي الزراعية بالألغام لإضعاف سبل العيش وكوسيلة عقاب جماعي، تاركاً تلك المناطق دون خرائط لعمليات التلغيم أو إشارات تحذيرية، بهدف مضاعفة الإصابات بعد فقدان السيطرة عليها.

ألغام روسية الصنع لا تزال تقتل

رصد فريق التحقيق خلال جولات ميدانية في ريفي حماة واللاذقية عشرات الألغام المنتشرة في الأراضي الزراعية، تحمل كتابات ورموزاً باللغة الروسية، وأظهر تحليل خبير في الأسلحة والألغام أن معظمها من صناعة سوفييتية، من بينها لغم OZM-72 المضاد للأفراد الذي يقذف في الهواء لينفجر وينشر الشظايا، ولغم POM-2 الذي يتفعل فور التعثر بسلك بلاستيكي، ولغم TM-62M المضاد للدروع، ولغم PMN-3 المصنع خصيصاً لعرقلة عمليات الإزالة.

كارثة بيئية تمتد لعقود

أوضحت وزارة الزراعة، في ردها على أسئلة فريق التحقيق، أن انفجار الألغام يترك آثاراً مباشرة وأخرى طويلة الأمد قد تمتد لعقود، منها تفكك بنية التربة وفقدان الطبقات الخصبة وموت الأحياء الدقيقة وتراكم مركبات سامة.

وحذر الدكتور معن دانيال داود، الباحث المختص في الموارد المائية، من تلوث المياه الجوفية والسطحية جراء الألغام، مشيراً إلى أن بعضها يحتوي موادّاً تهدف لإخراج الموارد المائية عن الخدمة.

وفي قرية عكو بريف اللاذقية، اضطر المزارعون إلى إحراق عشرات الأشجار في أراضيهم خوفاً من الألغام، وقال المزارع أبو عادل لـ”سراج”: “هذه الأشجار صمدت لسنوات بعد نزوحنا، وها قد عدنا لنحرقها اليوم بسبب الألغام التي تحتها”.

ضحايا بلا سند ومعاناة يومية

يعيش المزارع محمد مرعي مظان، الذي أصيب بلغم في أرضه الزراعية قرب قرية الزيارة شمال سهل الغاب في كانون الأول 2025، مع زوجته وأطفاله الستة بلا مصدر دخل، بعد أن أفقده الانفجار البصر في عينه اليمنى وتسبب بحروق في وجهه وذراعه، وتصل تكاليف أدويته إلى 450 ألف ليرة سورية أسبوعياً، فيما بلغت تكلفة إسعافه وعمليته 3,200 دولار.

ويقول مظان: “في هذه المنطقة نعتمد على الله والزراعة، ولا مصدر دخل آخر لنا”، مشيراً إلى أن أي جهة معنية لم تزره منذ إصابته.

وفي قرية عكو التي عادت إليها 20 عائلة، يروي المزارع خالد سندو أن السيارة جاهزة دائماً لإسعاف المصابين، مؤكداً أنه أسعف بنفسه أربعة مصابين من القرية، وعن المدرسة القريبة يقول: “أنا الذي أعيش على بعد مئتي متر لا أجرؤ على إرسال أطفالي إليها بسبب الألغام”.

تكلفة باهظة والمخاطر مستمرة

أفادت وزارة الزراعة بأن تكاليف إزالة الألغام تتراوح بين ثلاثة آلاف وعشرة آلاف دولار للهكتار الواحد، مما يعني أن عمليات تنظيف المساحات الزراعية في منطقة التحقيق تتراوح بين 41 و137 مليون دولار، وأضافت أن عدم استصلاح الأراضي قد يبقي أثر المواد المتفجرة والسمية في التربة الفقيرة لفترات تتراوح بين 20 و40 عاماً.

ومن جهته، أعلن قائد عمليات فوج الهندسة في وزارة الدفاع ميسرة الحسن أن الحكومة تلقت وعوداً بدعم من منظمات دولية ومن الأمم المتحدة لإزالة الألغام، لكنها لم تترجم إلى واقع حتى الآن.

المصدر: الإخبارية