تحل اليوم، 19 نيسان، الذكرى الثانية لوفاة رائد الفضاء السوري، اللواء الطيار محمد فارس، الذي اشتهر بلقب “آرمسترونغ العرب” نسبة إلى رائد الفضاء الأمريكي نيل آرمسترونغ، أول شخص مشى على سطح القمر.
كان محمد فارس طياراً مقاتلاً على متن طائرة “ميغ 21″، وعمل لاحقاً مدرباً للطيران، ومثل سوريا في رحلة إلى الفضاء الخارجي برفقة رائدين روسيين، ليصبح أول سوري يرتاد الفضاء، وثاني عربي بعد سلطان بن سلمان آل سعود.
أول رائد فضاء سوري
اختارت وكالة الفضاء السوفيتية اللواء محمد فارس من بين عشرات الضباط السوريين الذين خضعوا لاختبارات معقدة وصارمة للسفر في مهمة فضائية علمية على متن المكوك الفضائي السوفيتي الشهير “سيوز”، فكان هو الأجدر والأكفأ بحسب ما أظهرته النتائج العلمية والبدنية والنفسية التي خضع لها، وبتفوقه أصبح أول رائد فضاء سوري وعربي يدخل إلى الفضاء في مهمة علمية وعسكرية.
واكتسبت الرحلة أهمية كبرى ليس فقط من الناحية التقنية، بل من الناحية السياسية والمعنوية، فقد رفع محمد فارس اسم بلاده عالياً وأظهر أن سوريا قادرة على المنافسة العلمية رغم محدودية الإمكانات.
رحلة الفضاء.. تجارب أكاديمية وعملية
وبعيداً عن المظاهر الفخرية للرحلة، انطلقت الرحلة على متن المكوك الفضائي “سيوز TM-3” إلى محطة “مير” الفضائية عام 1987، واستمرت سبعة أيام، نفّذ خلالها تجارب علمية متعددة في مجالات الفيزياء والبيولوجيا والطب، وقد تكللت الرحلة بالنجاح الكامل، وسجلت التجارب التي أجراها في سجلات الأبحاث الفضائية الدولية، لتكون بذلك مساهمة سورية خالصة في سجل التقدم العلمي العالمي.
ولعب فارس دوراً أكاديمياً وعلمياً بالكامل، وهو ما تؤكده الوثائق التي نشرها لاحقاً، وتثبت قيامه بتجارب متقدمة في مجالات تخص الحياة خارج الأرض، وتأثير انعدام الجاذبية على أعضاء الإنسان، وتوصيل السوائل، وقد استفادت مراكز الأبحاث السوفيتية من نتائجه، مما جعله محل تقدير عالٍ داخل المؤسسات العلمية هناك.
إقصاء النظام البائد لفارس
أظهر النظام البائد حقداً دفيناً تجاه محمد فارس منذ لحظة اختياره رائد فضاء لسوريا، حيث كانت التعاملات الرسمية معه تتسم بالتهميش والإقصاء؛ لأسباب طائفية، وجرى التضييق عليه حتى قبل الثورة، وتم تجميد أي مبادرة علمية كان يمكنه المشاركة فيها.
وأكد فارس في عدة مقابلات أجريت معه أنه طيلة سنوات بعد عودته من الاتحاد السوفيتي لم يمنح أي موقع علمي أو إداري يساعده في تطوير قطاع الفضاء أو التعليم العلمي، بل تم تجاهله بشكل متعمد لصالح شخصيات أقل كفاءة، إلا أنها كانت مقربة من النظام البائد ودوائره الأمنية، وكان يرى أن ذلك بمثابة اغتيال معنوي لكل طموحات الشباب السوري الراغب في التميز.
وحرم النظام البائد رائد الفضاء السوري من أي امتيازات كان من المفترض أن يحظى بها أي رائد فضاء في العالم، فلم تصرف له مخصصات علمية أو مالية مناسبة، ولم يدعَ إلى منتديات علمية عربية أو دولية، وكان حضوره مقتصراً على مناسبات شكلية يراد منها فقط استخدام اسمه كواجهة دعائية، دون أي تمكين حقيقي أو مشاركة فاعلة.
انشقاقه عن النظام البائد
أعلن اللواء محمد فارس انشقاقه عن النظام البائد مع بدايات الثورة السورية، فكان من أوائل الشخصيات العسكرية والعلمية التي قالت “لا” لقمع النظام ولفساد منظومته الأمنية. وكان ذلك الإعلان بمثابة زلزال معنوي، لما يمتلكه فارس من رمزية وطنية وعلمية وعسكرية لا يملكها غيره، فاهتزّ النظام البائد داخلياً وارتبك أمام ما أحدثه فارس من أثر كبير في أوساط الشعب.
بعد انشقاقه، بدأ رائد الفضاء محمد فارس نشاطاً وطنياً من خلال حضوره في معظم الفعاليات الشعبية والمؤتمرات الثورية، ومعارضاً إعلامياً، وكان صوته من الأصوات التي تعبر عن ضمير السوريين جميعاً، فقد تماهى مع هموم الشعب بكل صدق، وكان صريحاً في وصفه لبنية النظام الاستبدادية الطائفية، ووقف داعماً لفكرة التغيير الجذري للواقع السوري نحو دولة مدنية وطنية.
واضطر محمد فارس إلى مغادرة سوريا نتيجة ملاحقات النظام البائد وتهديدات أجهزته الأمنية، فانتقل إلى تركيا، وبقي محبوباً في الأوساط الثورية السورية. وقد أجمعت فئات واسعة من الشعب في الداخل والخارج على تقدير مسيرته واعتباره أيقونة وطنية ومثالاً لمواقفه، وكان فارس قد وحّد حوله أطيافاً سياسية وعسكرية ومدنية.
رحيل محمد فارس
غاب رائد الفضاء محمد فارس في 19 نيسان 2024، بعد رحلة طويلة من النضال العلمي والوطني، وكانت وفاته نتيجة تدهور حالته الصحية إثر إصابته بجلطة دماغية. وكانت وصيته أن يدفن جثمانه في سوريا، الوطن الذي يحبه.
وخرج عشرات الآلاف من السوريين عند تشييع جثمانه في موكب جنائزي مهيب، يتقدمه علم الثورة وصوره وهو يرتدي بزة رائد الفضاء التي دخل بها التاريخ السوري والعربي.
نشأته وحياته العسكرية
ولد محمد فارس في مدينة حلب عام 1951، ونشأ في بيئة شعبية متوسطة، إلا أن أسرته أولت اهتماماً كبيراً بالعلم والمعرفة، فبرع منذ صغره في المواد العلمية، وبرز كطالب متميز في الفيزياء والرياضيات، والتحق بالأكاديمية العسكرية وتخصص في الطيران الحربي، ثم تدرج في الرتب العسكرية حتى صار طياراً مقاتلاً في سلاح الجو، وعرف بانضباطه وشجاعته داخل الكلية وخارجها.
وأظهر فارس تفوقاً علمياً كبيراً خلال تدريباته في موسكو، وتمكن من إثبات جدارته في مختلف المجالات، ما أهله ليكون الخيار الأول للوكالة السوفيتية، واكتسب احترام المدربين السوفييت الذين اعتبروه أحد أنجح المتدربين الأجانب.
إرث محمد فارس
ترك محمد فارس إرثاً وطنياً وعلمياً كبيراً، فهو لم يكن مجرد طيار أو رائد فضاء، وإنما شخصية متعددة الأبعاد جمعت بين العلم والنزاهة والوطنية.
وفي ذاكرة السوريين، صار فارس رمزاً للعلم في مواجهة الجهل والاستبداد، وللنزاهة في مقابل الفساد، وقد تكرس هذا الإرث بعد انشقاقه.
وأصبح الإرث الذي تركه محمد فارس مادة تعليمية للجيل الجديد ومصدر إلهام لمن يريد أن يخدم سوريا الجديدة، كما يعتبر مثالاً واقعياً وانعكاساً حقيقياً لصورة المواطن السوري حين يمتلك فرصة عادلة بعيداً عن المحسوبيات والوساطات والتهميش.
الفارس سيرة عطرة
تجسّد سيرة محمد فارس مأساة الشخصيات العلمية في ظل حكم النظام البائد، الذي همّش العقول واحتضن الولاءات الضيقة، فقتلت المشاريع العلمية في مهدها، وغيبت الكفاءات لصالح عناصر غير مؤهلة في معظم القطاعات، حتى أصبح معيار التقدم والترفع والتطور في المؤسسات هو الانتماء لا الكفاءة.
وساهم فساد التعليم العالي في حقبة حكم النظام البائد لعائلة الأسد في تحطيم آمال آلاف الشباب السوريين الذين كانوا يحلمون بفرصة منصفة لإثبات قدراتهم، لكنهم اصطدموا بجدران البيروقراطية والمحسوبيات.



