منذ انطلاقتها في أيار العام الماضي، أسهمت قناة الإخبارية في إعادة تشكيل المشهد الإعلامي الرسمي بحلة جديدة، ونجحت في تقديم نموذج إعلامي يقوم على الحرية المسؤولة تجاه المجتمع والدولة، إلى جانب قدرتها على جذب شريحة واسعة من الجمهور رغم التحديات المختلفة.
وقد واجهت القناة، منذ انطلاق بثها، معضلات متشعبة، إلا أن تلك التحديات لم تحول دون تحقيق مجموعة من الأهداف القابلة للقياس، فضلاً عن استمرارها في العمل على تطوير خطوط الإنتاج، غير أن فهم هذه النتائج يقتضي التوقف أولاً عند الرؤية المبدئية التي تبنّتها إدارة المحطة لصناعة مشهد جديد في الإعلام الإخباري.
نموذج مختلف
يوجز المدير العام لقناة الإخبارية جميل سرور في حديث لموقع الإخبارية تلك الرؤية بتقديم نموذج مختلف لصورة الإعلام الرسمي في بلد بقي لعقود سجيناً للصوت الواحد، وتأسيس مبدأ “إعلام الدولة”، منوهاً في الوقت ذاته بأن الخط التحريري للقناة كان أكثر انفتاحاً في معالجة القضايا السياسية والاقتصادية والاجتماعية في سوريا الجديدة.
ولتحقيق صورة ذهنية جديدة للإعلام الحكومي، كانت الإخبارية بحاجة ماسة لبناء جسر من الثقة مع مستقبل الرسالة ألا وهو المتلقي.
هذه الفكرة، يؤكدها رئيس التحرير في المحطة أحمد المحمد في تصريح لموقع الإخبارية أن التحدي الأكبر تمثل باسترداد “ثقة الشارع السوري بالإعلام الرسمي، بعد عقود كان فيها هذا الإعلام هو صوت السُّلطة وحسب”.
ويوضح المحمد أن القناة بعد انطلاقتها اقتربت من حياة السوريين أكثر، ونقلت بأمانة ومهنية صوت المجتمع السوري بآماله وآلامه، مستذكراً كيف كان السوريون يهربون من الإدلاء بمداخلة لمراسل الإخبارية في عهد النظام البائد، بينما باتت كاميرا وميكرفون القناة يشكلان اليوم عامل ثقة واطمئنان لدى الناس.
الموضوعية والمصداقية
وبعد مرور عام على انطلاقة القناة الرسمية للدولة السورية، لم يقتصر تشكيل المشهد الإعلامي الجديد على الهوية البصرية بحد ذاتها، بل شمل الهوية التحريرية كونها تشكل المبادئ والمعايير التي تحكم معالجة القناة التلفزيونية للمحتوى المقدم إلى جمهورها، غير أن المحمد لا يخفي أن السياسة التحريرية في القناة، قد تكون الأكثر تعقيداً على مستوى المنطقة والعالم، في بلد لا يزال يعاني من تركة ثقيلة خلّفها نظام ديكتاتوري قمعي.
ويوضح المحمد أن المبدأ الأساسي في سياسة المحطة هي الموضوعية والمصداقية ضمن إطار يراعي حساسية المرحلة وتعقيداتها، ولعل الإخبارية نجحت خلال عام واحد، في أن تكون الجهة الموثوقة لتقديم الخبر وأبعاده وقراءاته بمنظور وطني جامع.
ويضيف رئيس التحرير: “بنَت الإخبارية سياستها ومصطلحاتها التحريرية على المبدأ التراكمي، وبحسب تطورات الأحداث منذ انطلاقتها، وبما يتماشى مع سياسة الدولة داخلياً ومواقفها الدبلوماسية خارجياً”.
استقلالية تحريرية
تعتمد الإخبارية في دعمها المالي على مخصصات الموازنة السنوية العامة للدولة، كما أنها جزء من منظومتها الحكومية وتتبع وزارة الإعلام، لذا يبرز تساؤل عن مدى قدرتها على خلق استقلاليتها التحريرية ضمن هذه الحدود الدقيقة.
وفي إجابته عن هذا الاستفسار، يشدد المحمد على أن الإخبارية لا يمكن أن تُعامَل مثل الإعلام المستقل، لكنه يلفت إلى أنها باتت بالفعل تنافسه في طريقة التعاطي مع مجمل الأخبار والأحداث، ويعد المحمد ذلك إنجازاً لا يحسب للإخبارية بحدّ ذاتها، بل لقيادة الدولة التي منحت للإعلام الرسمي مساحات واسعة.
وتتزامن الذكرى السنوية لانطلاقة القناة مع تحقيق سوريا قفزة نوعية على مؤشر حرية الصحافة العالمي الأخير لعام 2026 الصادر عن منظمة “مراسلون بلا حدود” لتحتل المركز 141 على المؤشر متقدّمة بـ36 مرتبة عن العام الماضي (المركز 177).
ويشير المحمد إلى أن هذا التحسن يعكس اتساع مساحة العمل المتاحة للإعلام الرسمي، بقوله: “كانت سوريا خلال عقود في ذيل هذا المؤشر، بينما أصبحت اليوم في تقرير العام 2026 في مرتبة تجاوزت فيها الكثير من دول المنطقة التي لم تمرّ بنزاعات وحروب كالتي مرّت بها سوريا”.
رجع الصدى
ومن زاوية أخرى، يمثل رجع الصدى أحد أهم أدوات القنوات التلفزيونية الاحترافية لاستطلاع آراء الناس ومعرفة تصوراتهم حول رسالتها الإعلامية وزيادة تقبلها لدى الجمهور.
وفي السياق ذاته، يؤكد المدير العام للهيئة العامة للإذاعة والتلفزيون علاء برسيلو لموقع الإخبارية أهمية متابعة الشارع السوري وتفاعلاته تجاه الأحداث في صوغ أجندة إعلامية غير منفصلة عن تطلّعات المتابعين.
ويتابع برسيلو حديثه: “ندرك أن الإعلام الذي يبثّ من برج عاجيّ لن يصل إلى عقول الناس وقلوبهم، ولهذا فنحن نتّجه في رسالتنا الإعلامية إلى مسارين اثنين: الأول هو تحقيق غاية التأثير الإيجابي في المجتمع السوري، والثاني هو أن نكون صدًى حقيقياً لما يطمح إليه هذا المجتمع”.
إنجازات وتحديات
لا يزال يمارس الإعلام الرسمي اليوم، بما فيه قناة الإخبارية، عمله في ظل منافسة محتدمة مع وسائل الإعلام الأخرى المحلية والعربية والدولية بشقيها الخاص والعام في تغطيتها للشأن السوري، إلى جانب الحاجة المستمرة لتأهيل الكادر البشري، علاوة على ضرورة مواكبة التطور التقني.
وعلى الرغم من كثرة التحديات، يرى برسيلو أن الإعلام الرسمي حقّق قفزات كبيرة، ويعتقد أنه غير كافٍ بالمقارنة مع ما تطمح إليه الهيئة وبما يلبّي تطلعات السوريين.
وفيما يخص تحقيق الإخبارية لأهدافها الأولية في الذكرى الأولى لانطلاقتها، يعقب المدير العام للإخبارية جميل سرور: “الحقيقة أن ما كنا نطمح لإنجازه خلال عامين أو أكثر، تحقق خلال عام واحد فقط بسبب عوامل عدة، أبرزها الجهد المضاعف والمسؤول لدى كوادر القناة، إضافة إلى معيار الموضوعية والدقة والمهنية في الخط التحريري للقناة”.
وبلغة الأرقام، يستشهد سرور بالنمو السريع الذي حققته حسابات الإخبارية في أعداد المتابعين الحقيقيين بعد أن تجاوز عدد المشاهدات خمسة مليارات خلال عام واحد دون أي تمويل أو حملات إعلانية.
وعند الحديث عن النمو الذي حققه الإعلام الرقمي للقناة، سجل موقع الإخبارية لوحده مليون زيارة و972 ألفاً و320 زيارة.
ورغم هذا التقدم، لا تزال تواجه القناة في هذه المرحلة جملة من الصعوبات، يصنفها سرور تحت بند “إرث الانطلاقة”، وهي تتعلق بتحدّيات تقنية وتشغيلية، دفعت القناة إلى العمل تحت عنوان “البث التجريبي”، ويضيف سرور: “ربما يكون التحدي الأكبر عندنا هو الوصول إلى مرحلة تقنية وتشغيلية تسمح لنا بإطلاق البث الرسميّ”.
تحديثات مستمرة
وضمن هذا المسار، تخطط إدارة الإخبارية لإجراء تحديثات مستمرة على خطط عملها في الفترة المقبلة، ويكشف سرور بأن منها ما يتعلق بزيادة ساعات البث التلفزيوني، وإطلاق باقة برامجية جديدة ومميزة، علاوة على تطوير عمل الإعلام الرقمي في القناة ويتضمن إدخال مجموعة من البرامج الرقمية وإطلاق منصات جديدة، بعضها بدأ مؤخراً مثل منصة “الإخبارية السورية بودكاست”، وأخرى يجري التجهيز له.
وفيما يتعلق بتنمية مهارات العاملين في الإعلام الرسمي عموماً واستقطاب صحفيين ذوي خبرة مرتفعة، يعول المدير العام للهيئة العامة للإذاعة والتلفزيون علاء برسيلو على العنصر البشري وخبراته كونه “رأس المال الحقيقي”، ويلفت الانتباه إلى أن هذه الخبرات تعمل اليوم بشكل مزدوج، يتعلق بأداء المهام اليومية من جهة، وتطوير وتدريب زملائهم في مختلف الاختصاصات من جهة ثانية، ويتابع حديثه: “نحن لا نزال بالتأكيد مهتمّين باستقطاب خبرات إضافية”.
وفي الختام، يمكن القول إن القناة قدمت نفسها كنموذج غير تقليدي للإعلام الرسمي عبر محاولتها كسر نمط الصوت الواحد والعمل على استعادة ثقة الجمهور وتبنّي معايير الموضوعية والمصداقية في معالجتها للأحداث، كما أنها حققت إنجازات ملموسة رغم التحديات المتعددة.



