مع اقتراب موعد جلسة النطق بالحكم في محاكمة عاطف نجيب رئيس فرع الأمن السياسي في درعا خلال عهد النظام البائد، تبرز أهمية هذه المحاكمة وما تشكّله في مسار العدالة الانتقالية في سوريا وكذلك انعكاساتها على الضحايا وذويهم.
المحاكمة لا تتوقف عند شخص المتهم، بل تفتح الباب أمام أسئلة أكبر حول رمزية محاكمة أول مسؤول أمني رفيع في عهد النظام البائد خلال مدة قصيرة نسبياً من عمر سوريا الجديدة، وكيف سينعكس إصدار الحكم على الضحايا والمجتمع، وما الرسالة التي تحملها المحاكمة للمجرمين الفارين الذين لا يزالون خارج دائرة القانون، وأين نقف فعلياً في مسار العدالة الانتقالية.
من هو عاطف نجيب
ولد عاطف نجيب عام 1960 في مدينة جبلة بريف اللاذقية، وتخرّج من الكلية الحربية برتبة ملازم، وتدرّج في المناصب الأمنية بدمشق حتى وصل إلى رتبة عميد، وتولّى رئاسة فرع الأمن السياسي في درعا بين عامي 2008 و2011.
ارتبط اسم نجيب، وهو ابن خالة رأس النظام البائد بشار الأسد، بشكل مباشر بشرارة الاحتجاجات التي اندلعت في درعا عام 2011، فقد وجّهت إليه اتهامات بإهانة وجهاء وأهالي درعا عند مطالبتهم بالإفراج عن أطفال اعتقلوا واقتُلعت أظافرهم بعد كتابة شعارات مناهضة للنظام البائد على جدران مدرستهم.
وبعد اندلاع الاحتجاجات، لم يعزل نجيب بل نقل إلى رئاسة فرع الأمن السياسي في إدلب حتى حزيران 2011، حين منع من السفر وتوارى عن الأنظار، وأدرجته الولايات المتحدة على لوائح العقوبات في 29 نيسان 2011، وتبعها الاتحاد الأوروبي في 9 أيار من العام نفسه.
وعقب تحرير البلاد من النظام البائد، أعلنت مديرية الأمن الداخلي في اللاذقية بتاريخ 31 كانون الثاني 2025، إلقاء القبض عليه في عملية نوعية، ضمن الجهود الحكومية لمحاسبة المتورطين بارتكاب انتهاكات بحق الشعب السوري.
مسار المحاكمة
انطلقت أولى الجلسات العلنية لمحاكمة نجيب وآخرين من رموز النظام البائد في القصر العدلي بدمشق في 26 نيسان الفائت، وعقدت محكمة الجنايات الرابعة 8 جلسات، كان آخرها في الرابع من آب الجاري، ودخلت الدعوى مراحلها الختامية بعد استكمال الإجراءات القانونية وسماع الأطراف وتقديم المرافعات، ما يجعلها مهيأة للفصل فيها بما ينسجم مع ضمانات المحاكمة العادلة.
وتضمّنت الإفادات المقدّمة للمحكمة اتهامات تتعلق بالاعتقال التعسفي، والقتل خارج إطار القانون، والتعذيب الممنهج بمختلف أشكاله، وإطلاق الرصاص على المدنيين، كما طالت الاتهامات انتهاكات بحق الأطفال الذين شكّلوا نسبة كبيرة من المعتقلين، وتنفيذ انتهاكات جنسية بحق المعتقلين.
ومع اقتراب موعد محاكمة عاطف نجيب، يرى المختص في القانون الجنائي الدولي وحقوق الإنسان المعتصم الكيلاني أن المحاكمة تحمل قيمة إيجابية ورمزية كبيرة لمسار العدالة الانتقالية، وتشكّل خطوة عملية باتجاه كسر ثقافة الإفلات من العقاب، وإخضاع المسؤول الأمني للقانون، وإتاحة المجال للضحايا والشهود، وتعزيز مفهوم المسؤولية الفردية، والمساهمة في استعادة ثقة المجتمع بالقضاء.
وأوضح أن النجاح الحقيقي لهذه المحاكمة لا ينبغي قياسه بمجرد الوصول إلى إدانة أو عقوبة ولا بسرعة إصدار الحكم، وإنما بسلامة المسار القضائي نفسه، فالمعيار الأهم هو قدرة القضاء على محاسبة شخصيات ارتبطت بمرحلة شديدة الحساسية من تاريخ سوريا مع الالتزام الكامل بأصول المحاكمات العادلة.
وبيّن أن المحاكمة تحمل رسالة مزدوجة للضحايا، بأن الانتهاكات لن تبقى بلا مساءلة؛ وللمتهمين، بأن المساءلة ستتم أمام القضاء ووفق القانون وللمجتمع ككل، بأن المرحلة الجديدة يجب أن تقوم على سيادة القانون.
وأشار إلى أن محاكمة عاطف نجيب تشكّل محطة مهمة في مسار العدالة الانتقالية في سوريا، ليس فقط بالنظر إلى شخصية المتهم وموقعه الأمني السابق، وإنما لما تحمله من دلالات تتعلق بالانتقال من مرحلة الإفلات من العقاب إلى مرحلة إخضاع المسؤولين عن الانتهاكات للمساءلة أمام القضاء.
وبحسب الكيلاني تكتسب المحاكمة أهمية خاصة باعتبارها من المحاكمات المبكرة لمسؤول أمني رفيع في النظام البائد، فمجرد مثول شخصية أمنية بهذا المستوى أمام القضاء، وخضوعها لإجراءات قضائية علنية، يحمل تحولاً رمزياً مهماً في العلاقة بين السلطة والقانون، كما أنها تنقل مفهوم العدالة الانتقالية من الإطار النظري إلى التطبيق العملي.
دلالات الحكم للضحايا والمجتمع
من جانبه، اختصاصي القانون الدولي خالد المصطفى قال في تصريح لموقع الإخبارية إن الاعتراف القضائي الرسمي بالإنتهاكات والجرائم المرتكبة في درعا عام 2011 يشكل تخفيفاً حقيقياً لمعاناة الضحايا وذويهم
فالشهادات التي أدلى بها معتقلون سابقون، بمن فيهم قاصرون تعرضوا للتعذيب الجسدي والنفسي أعادت إحياء الذاكرة الجمعية وكرست الحق في معرفة الحقيقة.
وأكد أن حضور ممثلين عن الهيئة الوطنية للعدالة الانتقالية ومنظمات قانونية وإنسانية دولية كان قد أضفى على الجلسات طابعاً من الشفافية والمتابعة، رغم بعض القيود الإجرائية.
ولفت إلى أن هذا الإعتراف ليس مجرد إجراء قضائي، بل رد اعتبار عام يعيد الثقة بإمكانية سيادة القانون بعد عقود من السلطة المطلقة التي منحت حصانة شبه كاملة لمرتكبي الجرائم، كما أنه يؤكد مبدأ أساسياً وهو أن المواطنة وحماية الحقوق هما أساس الاستقرار، وأن أي منصب أو نسب لا يحمي صاحبه من المحاسبة.
رسالة إلى المجرمين الفارين
ويرى المصطفى أن المحاكمة ترسل رسالة واضحة لا لبس فيها أن الفرار إلى الخارج أو الاختباء داخل البلاد لا يسقط الجرم ولا يمنح حصانة، فلائحة الاتهام شملت نجيب حضورياً، وبشار الأسد وماهر الأسد وآخرين غيابياً، كما أن مطالبة النيابة بأقصى العقوبات تعكس جدية الحكومة في القصاص العادل، إلى جانب تأكيد مبدأ عدم تقادم الجرائم الجسيمة.
وأضاف “في السياق الإقليمي والدولي، فقد تفتح هذه السابقة باباً لملاحقات إضافية، سواء عبر آليات وطنية أم تعاون قضائي مستقبلي، خاصة مع استمرار وجود متهمين بارزين خارج الأراضي السورية”.
أين نقف في مسار العدالة الانتقالية؟
بيّن المصطفى أن نجاح هذه المحاكمة لا يُقاس بالحكم الفردي فقط بل بقدرته على بناء ثقة مجتمعية مستدامة، فالعدالة الانتقالية ليست محاكمات فحسب، بل عملية شاملة تشمل الحقوق والمصالحة والإصلاح في سوريا ما بعد التحرير، وتواجه هذه العملية تحديات معقدة منها تعدد الفاعلين السابقين، وانقسام الذاكرة الجماعية، وضرورة الموازنة بين المحاسبة والاستقرار، وتجنب الانتقام الجماعي.
في الوقت نفسه، أشار إلى أن المحاكمة تفتح آفاقاً إيجابية، تتلخص بإمكانية تحويل درعا – مهد الثورة – إلى رمز للعدالة وليس فقط للألم، كما أنها ترسل إشارة إلى المجتمع الدولي بأن المسار الوطني قادر على المضي قدماً، شريطة أن يحترم السيادة ولا يفرض أجندات خارجية.
وأكد المصطفى أن محاكمة عاطف نجيب ليست نهاية الطريق بل بدايته، كما أنها لحظة رمزية وتأسيسية في آنٍ معاً، وتثبت أن يد العدالة يمكن أن تطال من ظن نفسه فوق القانون.
واعتبر أن نجاح مسار العدالة الانتقالية يتطلّب أكثر من محاكمات فردية، بل يحتاج إلى إرادة سيادية مستقلة، وإطار قانوني متين، ومشاركة حقيقية للضحايا والمجتمع المدني، ودعم دولي يحترم السيادة السورية، ما يحوّل الألم الجماعي إلى أساس لسوريا جديدة تقوم على سيادة القانون، والمواطنة المتساوية، فالحكم في قضية عاطف نجيب سيكون رسالة أمل للضحايا بأن صوتهم لم يعد مكتوماً، وأن الذاكرة لم تعد رهينة الصمت.
رمزية المحاكمة
تكتسب محاكمة نجيب أهميتها من كونها أول محاكمة علنية لمسؤول أمني رفيع على خلفية أحداث 2011.
وتبرز العدالة الانتقالية بوصفها خياراً وطنياً أساسياً لمعالجة إرث الماضي، والكشف عن الحقيقة، وإنصاف الضحايا، ومحاسبة المسؤولين عن الانتهاكات، باعتبارها من أهم الآليات القادرة على معالجة إرث الانتهاكات الجسيمة، وإدارة مرحلة الانتقال نحو بناء دولة المؤسسات وسيادة القانون.

