في مشهد يعكس تناقضاً صارخاً بين مساعي الدولة لإنصاف أبنائها، وإصرار القوى الخارجة عن القانون على إبقائهم رهينة، تبرز قضية عرقلة طلاب محافظة السويداء عن أداء امتحاناتهم كفصل جديد في سلسلة معاناة المحافظة، التي تتحول بسرعة إلى ساحة مفتوحة لتصفية الحسابات.
المرسوم الرئاسي والأمل المعقود
في محاولة لإنصاف أبناء المحافظة الذين حرموا من حقهم في التقدم للامتحانات، أصدر السيد الرئيس أحمد الشرع المرسوم رقم “163” الذي منح طلاب السويداء دورة استثنائية لشهادتي التعليم الأساسي والثانوية، لمن لم يتقدموا للدورة السابقة أو لم يتمكنوا من تقديم جميع موادهم.
وانطلقت بعدها أعمال تجهيز المدارس والمراكز الامتحانية في الريف الشمالي للمحافظة، بهدف توفير بيئة آمنة ومناسبة للطلاب، بالتنسيق مع وزارة التربية والجهات المعنية، لتخفيف الأعباء عنهم وعن أسرهم، وتمكينهم من مواصلة مسيرتهم الأكاديمية.
وأكدت المصادر الحكومية حرصها الكامل على صون حق الطلاب في التعليم، وتأمين أفضل الظروف الممكنة لأدائهم.
تهديدات ممنهجة
في المقابل انطلقت تهديدات صريحة من شخصيات نافذة تتبع ميليشيات مسلحة في تصعيد خطير، حيث أعلن نورس عزام القيادي في المكتب الأمني التابع لميليشيا “الحرس الوطني” عبر حسابه على فيسبوك، أنه لن يسمح لطلاب المحافظة بالخروج لتقديم امتحاناتهم في الريف الشمالي بالقوة.
وأكد أنه “لن يتراجع عن كلامه”، محذراً من مغبة خروج الطلاب، وهو المعروف بارتباطه السابق بعصابة “عريقة” المتورطة بعمليات خطف واتجار بالممنوعات.
هذه التهديدات ليست مجرد تصريحات، بل ترجمت إلى أفعال على الأرض، حيث سبق أن قامت ميليشيا “الحرس الوطني” بقطع طريق دمشق – السويداء عند حاجز شهبا ومنطقة أم الزيتون، مما منع الطلاب من الوصول إلى حافلاتهم.
وأكدت مصادر أن هذه المجموعات فرضت إتاوات مالية للسماح للبعض بالمرور، بينما جبر آخرون على سلوك طرق غير نظامية ومحفوفة بالمخاطر. وقد أدى ذلك إلى حرمان أكثر من 95% من طلاب المحافظة من التقدم لامتحاناتهم في الدورة السابقة.
ما يحدث للطلاب في السويداء، ليس حادثة معزولة، بل هو جزء من نمط واضح من الترهيب والعنف الذي تمارسه الميليشيات المسلحة ضد كل من يحاول تطبيق القانون أو الدفاع عن حقوق المواطنين في السويداء، ففي حادثة مماثلة تعرض المهندس خلدون شنان رئيس اتحاد الحرفيين، لاعتداء جسدي وحشي أدى إلى إصابته بجروح خطيرة في الرأس والعين، وذلك على خلفية قيامه بواجبه المهني في التصدي للأنشطة غير القانونية التي تمارسها شخصيات نافذة تابعة للميليشيات.
ووجه المعتدون خلال الحادث تهديدات صريحة، قالوا فيها إن “هذا مصير كل من يحاول إعاقتهم”، هذا الاعتداء الذي أدى لنقل شنان إلى دمشق لإجراء عملية جراحية دقيقة، يمثل رسالة ترهيب واضحة لكل مسؤول يحاول التمسك ببقايا القانون في محافظة أصبحت ساحة مفتوحة لنهب الثروات وتصفية الحسابات.
موقف الدولة والمجتمع
في المقابل، أكدت مؤسسات الدولة رفضها القاطع لهذه الممارسات، فسبق أن شدد مدير إدارة الأمن الداخلي في السويداء سليمان عبد الباقي، على أن مستقبل الأبناء خط أحمر والدولة لن تسمح بأن تبقى مصائرهم رهينة بيد عصابات متسلطة تخدم أجندات تخريبية.
كما حمّل محافظ السويداء مصطفى البكور الشيوخ والعقلاء وأصحاب الحل والربط المسؤولية الكاملة عن هذه الممارسات، مطالباً إياهم بالقيام بواجبهم الأخلاقي والاجتماعي لوضع حد لها.
ويرى أهالي الطلاب أن ذهاب أبنائهم لتقديم الامتحانات لا ينبغي تفسيره سياسياً، بل هو ضرورة تتعلق بمستقبل جيل كامل، وهم يستغربون كيف يضطر الموظفون للذهاب إلى دمشق لاستلام رواتبهم دون عوائق، بينما يُمنع الطلاب من حقهم الأساسي في التعليم.


