العلاقات السورية – الفرنسية.. من القطيعة إلى الشراكة والتعاون

العلاقات السورية – الفرنسية.. من القطيعة إلى الشراكة والتعاون

تشكّل الزيارة التي يجريها الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون إلى سوريا، محطة مفصلية في مسار العلاقات السورية – الفرنسية، إذ تعد أول زيارة لرئيس فرنسي لدمشق منذ عام 2008، كما تمثل تتويجاً لمسار سياسي ودبلوماسي بدأت معالمه بالتشكل عقب تحرير البلاد وإسقاط النظام البائد، وانتقل بشكل تدريجي من إعادة فتح قنوات الاتصال المقطوعة منذ عام 2012 في عهد النظام البائد إلى بداية رسم ملامح شراكة سياسية واقتصادية مستقبلية.

من القطيعة إلى الانفتاح

وشهدت العلاقات بين دمشق وباريس قطيعة دبلوماسية منذ عام 2012، بعد أن أغلقت فرنسا سفارتها في سوريا احتجاجاً على الممارسات القمعية للنظام البائد ضد ثورة الشعب السوري، كما اتخذت باريس موقفاً داعماً للمعارضة آنذاك.

واستمرت هذه القطيعة السياسية حتى إسقاط النظام البائد أواخر عام 2024، حيث تغير المشهد رأساً على عقب، حين سارعت فرنسا للترحيب مبكراً بالتغيير السياسي في سوريا، ثم بدأ التقارب بخطوات متتالية، كان أبرزها وصول وفد دبلوماسي فرنسي إلى دمشق في 17 كانون الأول 2024، في أول زيارة رسمية إلى مقر السفارة الفرنسية المغلق، وهو ما اعتُبر إيذاناً ببدء صفحة جديدة من العلاقات الدبلوماسية بين دمشق وباريس.

وفي شباط 2025، شارك وزير الخارجية والمغتربين أسعد حسن الشيباني في المؤتمر الدولي الخاص بسوريا الذي استضافته باريس، حيث أجرى لقاءات مع مسؤولين فرنسيين، في مقدمتهم وزير الخارجية جان نويل بارو، بما عكس دعماً فرنسياً متجدداً لعودة سوريا إلى الساحة الدولية.

زيارة الرئيس الشرع إلى باريس نقطة تحول

وتُوّج المسار لاحقاً بالزيارة الرسمية التي أجراها السيد الرئيس أحمد الشرع إلى العاصمة الفرنسية باريس في السابع من أيار 2025 في أول زيارة يجريها الرئيس الشرع إلى أوروبا، حيث عقد مباحثات مع نظيره الفرنسي إيمانويل ماكرون تناولت تعزيز العلاقات الثنائية  وعدداً من الملفات الإقليمية والدولية ذات الاهتمام المشترك.

وخلال مؤتمر صحفي مشترك حينها في قصر الإليزيه مع الرئيس الشرع، شدد ماكرون على أن الاستقرار في سوريا مهم لأمن المنطقة وأمن أوروبا، داعياً المجتمع الدولي إلى التعاون معها ودعمها للتغلب على هذه الصعوبات.

ووصف وزير الخارجية أسعد حسن الشيباني تلك الزيارة حينها، بـ”نقطة تحول” في ملف رفع العقوبات المفروضة على سوريا، وتعزيز الأمن الإقليمي وخلق بيئة دائمة للسلام والاستثمار التجاري في المنطقة.

ماكرون في دمشق للمرة الأولى

غير أن المسار الدبلوماسي بين الجانبين، توّج بالزيارة الرسمية التي يجريها لأول مرة الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون والوفد المرافق له إلى دمشق، وتأتي كثمرة لجهود دبلوماسية رفيعة للحكومة السورية في العهد الجديد للبلاد.

وأكد السيد الرئيس أحمد الشرع، أمس في مقابلة مع قناة BFMTV الفرنسية، أن زيارة ماكرون إلى سوريا تمثل تطوراً مهماً في العلاقات بين البلدين.

وأوضح الرئيس الشرع أن فرنسا تعد من أصدقاء الشعب السوري منذ أيام الثورة التي قمعها النظام البائد، مشيراً إلى أن الرئيس ماكرون تواصل مع سوريا منذ التحرير، وكان لفرنسا دور بنّاء في إلغاء العقوبات عنها.

أبعاد إقليمية ودولية

وتحمل الزيارة كذلك أبعاداً تتجاوز مسألة العلاقات الثنائية على الرغم من أهميتها، إذ تعكس تنامي القناعة لدى دول الاتحاد الأوروبي بأن استقرار سوريا يشكل ركيزة لاستقرار منطقة الشرق الأوسط، كما تظهر أن تعزيز التعاون السوري – الفرنسي يفتح آفاقاً جديدة وواسعة للشراكة مع أوروبا.

كما يتوقع أن يسهم هذا التعاون في الحد من الهجرة غير النظامية، وتعزيز جهود مكافحة الإرهاب، إضافة إلى مكافحة شبكات تصنيع وتهريب المخدرات التي عملت الأجهزة الأمنية السورية على تفكيكها بعد التحرير مباشرة.

وتأتي الزيارة في وقت تشكل فيه أولويات التعافي وإعادة الإعمار أحد أبرز أولويات السياسة السورية بما ينسجم مع مصالح سوريا وسيادتها ووحدة أراضيها، فيما تعد فرنسا شريكاً أوروبياً أساسياً في دعم هذا المسار، عبر توسيع التعاون السياسي والاقتصادي والاستثماري.

وتعد الزيارة محطة مفصلية في مسار استعادة سوريا حضورها الدولي، وتجسّد انتقال العلاقات السورية الفرنسية إلى مرحلة جديدة تقوم على الاحترام المتبادل والسيادة والشراكة المتكافئة.

المصدر: الإخبارية