بعد عقود متتالية من العقوبات والعزلة الدولية التي خلفتها سياسات نظام الأسد البائد، أصبحت سوريا رسمياً خارج قائمة الدول الراعية للإرهاب لأول مرة منذ 1979، كثمرة لحراك دبلوماسي مكثف للدولة السورية بقيادة السيد الرئيس أحمد الشرع.
وتمثلت هذه المحطة التاريخية بإلغاء وزارة الخارجية الأميركية أمس الإثنين، رسمياً تصنيف سوريا دولة راعية للإرهاب، وكذلك إعلان وزارة الخزانة الأمريكية أن سوريا لم تعد خاضعة للحظر بموجب لوائح عقوبات الحكومات المدرجة على قائمة الإرهاب.
وبحسب الخزانة الأميركية، جاء القرار تماشياً مع تعهد الرئيس الأميركي دونالد ترامب بتقديم تخفيف للعقوبات المفروضة على سوريا، عقب انقضاء المهلة القانونية المحددة بـ45 يوماً لمراجعة الكونغرس.
وبهذه المناسبة، هنأ الرئيس الشرع الشعب السوري بإزالة اسم سوريا رسمياً من قائمة الدول الراعية للإرهاب، كما توجه بالشكر إلى رئيس الولايات المتحدة الأمريكية دونالد ترامب والدول الصديقة والداعمة.
كما رحبت وزارة الخارجية والمغتربين بقرار الولايات المتحدة الأمريكية، في حين بارك وزير الخارجية والمغتربين أسعد الشيباني أمس الإثنين، للشعب السوري رفع اسم سوريا من القائمة، بعد 47 عاماً من التصنيف.
إعادة الإعمار وربط سوريا بالنظام الاقتصادي العالمي
وتشكل هذه الخطوة تحولاً سياسياً واقتصادياً بارزاً على جميع الأصعدة، إذ يزيل قرار واشنطن آخر العوائق القانونية والمالية أمام عودة ارتباط سوريا بالنظام الاقتصادي العالمي بعد عقود من العزلة.
ويتوقع أن يزيل القرار الأمريكي قيوداً عن المساعدات الخارجية الأمريكية والمعاملات المالية، كذلك سيدعم جهود التعافي الاقتصادي، وتهيئة الظروف المناسبة لإعادة إعمار البلاد.
كما ستعزز هذه الخطوة من القدرة على ربط سوريا بالنظام الاقتصادي والمالي العالمي واستقطاب الاستثمارات الأجنبية والتقنيات الحديثة ودعم فرص التنمية، وهو ما أشار إليه وزير المالية محمد يسر برنية في حديثه أمس.
وهذا يتطابق أيضاً مع ما أكده وزير الخزانة الأمريكي سكوت بيسنت بأن ذلك سيساعد على تعزيز الاستثمار في سوريا ودعم استقرارها السياسي والاقتصادي.
وينسجم هذا مع إعلان وزير الخارجية الأمريكي ماركو روبيو، أن إلغاء التصنيف ورفع تصنيف هيئة تحرير الشام ككيان إرهابي مصنف بصورة خاصة، يزيلان آخر العوائق الرئيسة أمام استثمارات القطاع الخاص في سوريا، ويدعمان تعافي الاقتصاد السوري وإعادة اندماجه في الاقتصاد العالمي.
القطاع المصرفي
وبالحديث عن الثمار الاقتصادية المتوقعة للقرار الأمريكي، أكد الخبير الاقتصادي والمالي د. علي محمد لموقع الإخبارية أن إزالة اسم سوريا من قائمة الدول الراعية للإرهاب ستترتب عليها آثار متعددة، تشمل المساعدات الإنسانية والاستثمار والقطاع المصرفي.
وأضاف أن بعض المستثمرين ربما كانوا ينتظرون خروج سوريا من القائمة قبل اتخاذ قرارات استثمارية، نظراً إلى أن إدراجها كان يفرض قيوداً على توريد بعض السلع والمنتجات، ولا سيما تلك المرتبطة بالولايات المتحدة أو التي تحتوي على مكونات أمريكية.
وأشار إلى أن إزالة هذا العائق القانوني والإجرائي قد تكون مؤشراً على زيادة الثقة بسوريا، وقد تفتح المجال أمام تدفق استثمارات أكبر خلال الفترة المقبلة.
وفيما يتعلق بالقطاع المصرفي، لفت محمد إلى أن المصارف العالمية تعد من أكثر القطاعات التزاماً بالقوانين واللوائح المرتبطة بالعقوبات وقوائم الدول الراعية للإرهاب، إضافة إلى قواعد مكافحة غسل الأموال وتمويل الإرهاب، مما دفع العديد منها إلى التحفظ في التعامل مع الدول المدرجة على تلك القوائم.
وبيّن أن شطب سوريا من القائمة يمكن أن يبعث بإشارة إيجابية إلى المؤسسات المالية العالمية، ويدفعها إلى تخفيض مستوى التحفظ في التعامل مع سوريا والمصارف السورية، بما قد يسهم تدريجياً في إنشاء شبكات علاقات مالية ومصرفية وإعادة دمج النظام المصرفي السوري في النظام المالي العالمي.
ويتطلب تحقيق ذلك وقتاً، إذ ستحتاج المؤسسات المالية إلى إجراء دراسات خاصة بجدوى الاستثمار وإقامة علاقات مصرفية ومراسلة مع المصارف السورية، في ظل التزاماتها القانونية ومخاطر السمعة، من وجهة نظر الخبير الاقتصادي والمالي د. علي محمد
ثمرة للدبلوماسية السورية
ويعد إلغاء تصنيف سوريا من قائمة الدول الراعية للإرهاب، ثمرة لجهود دبلوماسية مكثفة قادها السيد الرئيس أحمد الشرع وكبار المسؤولين السوريين خلال العامين الماضي والحالي.
ففي أيار الماضي، طلب الرئيس أحمد الشرع خلال اتصال هاتفي مع نظيره الأمريكي، رفع ما تبقى من العقوبات المفروضة على البلاد لتمكين الاقتصاد من استعادة نشاطه وتحسين الظروف المعيشية للمواطنين.
وبعد اللقاء الذي جمع الرئيس الشرع والرئيس الأمريكي على هامش قمة حلف شمال الأطلسي في أنقرة في 8 تموز الماضي، أخطر ترامب الكونغرس رسمياً بقراره إلغاء تصنيف سوريا دولة راعية للإرهاب.
مسار متكامل
وجاء القرار الأمريكي الأخير أمس، استكمالاً لمسار متكامل بدأته الولايات المتحدة منذ عام 2025 حتى اليوم لرفع العقوبات المفروضة على دمشق، إذ أعلنت الولايات المتحدة رفع العقوبات القطاعية عن سوريا في 13 أيار من العام الماضي، بعد أن أصدرت ترخيصاً عاماً للعمل في سوريا في كانون الثاني من العام ذاته.
وبعد ذلك، أصدر ترامب في 30 حزيران 2025، أمراً تنفيذياً برفع معظم العقوبات المفروضة على سوريا.
وفي خطوة لاحقة، رفعت الولايات المتحدة تصنيف هيئة تحرير الشام في 8 تموز 2025 ككيان إرهابي، ليتبع ذلك رفع الكونغرس الأمريكي قانون قيصر في 11 كانون الأول من العام نفسه، قبل أن تلغي واشنطن تصنيف سوريا دولة راعية للإرهاب في 8 تموز 2026، وآخراً المصادقة على قرار إلغاء التصنيف أمس الإثنين.
ولاقى إلغاء وزارة الخارجية الأميركية، أمس الإثنين، رسمياً تصنيف سوريا دولة راعية للإرهاب ترحيباً من دول عربية ودولية ومنها السعودية وأوكرانيا وقطر وتركيا والأردن.



