ملفات معقدة وإرث ثقيل.. كيف تدير هيئة العدالة الانتقالية مسار المحاسبة؟

العدالة الانتقالية: الحكم على عاطف نجيب محطة مهمة في مسار المساءلة عن الجرائم الجسيمة

منذ إسقاط النظام البائد في 8 كانون الأول 2024 وحتى اليوم، تستمر النقاشات والجدالات عن أحد أبرز الملفات المحلية أهمية ألا وهو مسار العدالة الانتقالية، بالتوازي مع اقتراب جلسات التدقيق والحكم في المحاكمات لأبرز رموز العهد البائد ومنهم عاطف نجيب ووسيم الأسد وأحمد حسون.

وتتابع قناة الإخبارية هذا المسار بشكل مستمر، إذ تَوجه الموقع الإلكتروني في القناة إلى الهيئة الوطنية للعدالة الانتقالية بمجموعة من التساؤلات والاستفسارات عن المرحلة التي وصلت إليها مسارات الحقيقة والمساءلة وجبر الضرر والذاكرة والمصالحة، فضلاً عن عدد ملفات الانتهاكات وأوليات العمل إلى جانب الصعوبات والعوائق التي تعترض طريق الهيئة.

مسار مستمر

يؤكد مدير إدارة المساءلة والمحاسبة في الهيئة الوطنية للعدالة الانتقالية رديف مصطفى لموقع الإخبارية، الإثنين 10 آب، أن مسار العدالة الانتقالية في سوريا انتقل من مرحلة الإعداد والتأسيس إلى مرحلة العمل الفعلي.

وتبدو المهمة أكثر تعقيداً بعد أن خلّف النظام البائد إرثاً طويلاً من الجرائم والانتهاكات المتنوعة بحق أعداد غفيرة من الضحايا والمتضررين، ومع دخول البلاد مرحلة تأسيسية لمعالجة هذا الإرث القاتم تولّت الهيئة منذ صدور مرسوم تأسيسها في أيار 2025 مهمة محاسبة المسؤولين عن الانتهاكات المرتكبة، وترسيخ مبادئ رفض التكرار والمصالحة الوطنية.

ويستشهد مصطفى بالمحاكمات الجارية أمام محكمة الجنايات الرابعة المتخصصة بالعدالة الانتقالية، ومن بينها قضية المتهم عاطف نجيب ورفاقه، على أنها محطة مهمة في مسار المساءلة القضائية عن الجرائم الجسيمة.

وتُعد السلطة القضائية المستقلة صاحبة الفصل في إصدار الأحكام بملفات المتهمين استناداً للقانون ومراعاة جميع الإجراءات القانونية ومنها مرافعات النيابة والادعاء والدفاع، والاستماع إلى الشهود والأقوال الأخيرة للمتهمين، لذا يذكر مصطفى أن دور الهيئة يتعلق بدعم مسار العدالة ضمن اختصاصاتها، وحفظ حقوق الضحايا وإتاحة مشاركتهم في هذا المسار.

إرث قاتم

وفي هذا السياق، يطرح تساؤل عن عدد ملفات الانتهاكات التي استقبلتها أو وثّقتها الهيئة منذ بدء عملها الفعلي، ليرد مصطفى بأن الهيئة تعمل على عدد كبير من الملفات والمواد الواردة إليها، سواء من خلال الضحايا وذويهم أو الفرق الميدانية أو الجهات والمنظمات التي تتعاون معها، إضافة إلى ما يتم جمعه من مصادر ووثائق وأدلة مختلفة.

وضمن عملها، تميز الهيئة بين الإفادة أو المعلومة الأولية والملف الموثق وملف التحقيق، ويردف مصطفى بالقول: “لذلك لا نفضل اختزال عمل الهيئة برقم واحد قبل استكمال عمليات التدقيق والتصنيف والتحقق”.

وينوه إلى أن الهيئة تحدد أولوياتها وفق مجموعة من المعايير، من بينها طبيعة الجرائم وحجمها ونطاقها وعدد المتضررين والمسؤولية المحتملة وتوافر الأدلة وإمكانية التحقق منها، فضلاً عن أهمية الملف بالنسبة لمسار كشف الحقيقة وحقوق الضحايا.

ويستكمل حديثه: “بدأت فرق الحقيقة بالفعل العمل على ملفات تتعلق بجرائم جسيمة في عدد من المناطق، بالتوازي مع عمل إدارة المساءلة والمحاسبة في الملفات التي تنظر فيها الجهات القضائية المختصة”.

تقييم التجربة الوليدة

وفيما يخص تقييم عمل الهيئة حتى الآن، يلفت مدير إدارة المساءلة والمحاسبة الانتباه إلى أن تقييم التجربة ينبغي أن يكون مستنداً إلى استمرار العمل وتطور نتائجه، وليس إلى عمر الهيئة وحده، منوهاً بأن حجم الملفات وتعقيدها يتطلبان عملاً طويل الأمد.

ولم يتجاوز عمر الهيئة عاماً تقريباً منذ أن أصدر السيد الرئيس أحمد الشرع، في 28 آب المنصرم، المرسوم رقم 149 لعام 2025 القاضي بتشكيل لجنة الهيئة برئاسة عبد الباسط عبد اللطيف، وعضوية عدد من الشخصيات القانونية والحقوقية.

وجاء المرسوم 149 استكمالاً للمرسوم الصادر في 17 أيار من العام الماضي، والذي أعلن تشكيل الهيئة وكلّف رئيسها بتشكيل فريق العمل ووضع نظامها الداخلي خلال مدة أقصاها 30 يوماً.

وتبيّن الهيئة أن الفترة الماضية كانت مرحلة تأسيسية مكثفة انتقلت خلالها من مرحلة بناء المؤسسة ووضع أطر العمل إلى البدء الفعلي بتنفيذ مسارات العدالة الانتقالية.

ويكشف مصطفى أن الهيئة أجرت خلال هذه المدة أكثر من 300 لقاء واجتماع مباشر مع الضحايا، كما نسّقت مع أكثر من 80 منظمة من منظمات المجتمع المدني، وأحدثت 6 إدارات متخصصة تعمل على مسارات الحقيقة، والمساءلة والمحاسبة، وجبر الضرر، والذاكرة، والمصالحة.

ويشدد مصطفى على أن الفرق الميدانية بدأت العمل على عدد من الملفات المهمة، بينما شاركت إدارة المساءلة والمحاسبة في دعم الملفات والأدلة المرتبطة بالمحاكمات الجارية، في حين يجري العمل على بناء سجل وطني للضحايا ومراكز للتعافي، علاوة على مسح الذاكرة الوطنية وتوسيع حضور الهيئة في المحافظات.

تحديات مختلفة

ومنذ انطلاقتها لا تزال تواجه الهيئة جملة من التحديات والصعوبات التقنية والتشريعية، ويرى مصطفى أنها ترتبط أولاً بحجم وتعقيد ملفات الجرائم الجسيمة وتعدد مصادر الأدلة، إلى جانب ضعف أو تضرر جزء من البنى التحتية والسجلات، والحاجة إلى تطوير التجهيزات واللوجستيات اللازمة للعمل الميداني والمؤسساتي.

ولا يغفل مصطفى عن التحدي الأهم وهو غياب الإطار التشريعي المتكامل للعدالة الانتقالية حتى الآن، إذ يقول: “التشريع يحدد بصورة واضحة الاختصاصات والآليات والحقوق والضمانات المرتبطة بمختلف مسارات العدالة الانتقالية، بما فيها الحقيقة والمساءلة وجبر الضرر”.

ولا تتوقف العوائق عند هذا الحد، بل تشمل أيضاً نقص الكوادر المؤهلة، يتحدث مصطفى عن الحاجة إلى مزيد من الخبرات المتخصصة في التحقيقات الجنائية وحفظ الأدلة والأرشفة والأمن الرقمي، إلى جانب متطلبات حماية الضحايا والشهود والبيانات الحساسة.

ويضيف مصطفى: “رغم هذه التحديات، تواصل الهيئة عملها ضمن الصلاحيات والإمكانات المتاحة، بالتوازي مع العمل على استكمال الإطار التشريعي وبناء القدرات الوطنية وتطوير البنية المؤسسية واللوجستية، بما يضمن أن يكون مسار العدالة الانتقالية مؤسسياً ومستداماً وقادراً على الاستجابة لحجم الملفات والحقوق المرتبطة بها”.

جبر الضرر

ولا يستند عمل الهيئة على كشف الحقيقة والمحاسبة والمساءلة، بل يمتد وصولاً إلى جبر الضرر وتخليد الذكرى والإصلاح المؤسسي، وعلى الرغم من أن الجبر أحد مجالات عملها، لكن الهيئة ما زالت تعاني من غياب إطار قانوني وتشريعي واضح ينظم حقوق الضحايا وآليات جبر الضرر وأشكاله ومصادر تمويله.

وحول هذه النقطة، يجيب مدير إدارة المساءلة والمحاسبة: “نعمل على تطويره ضمن المسار التشريعي للعدالة الانتقالية”.

وفي ظل غياب التشريع الناظم بشكل نهائي حتى الآن، يؤكد مصطفى أن الهيئة تركز على الخطوات التي يمكن تنفيذها ضمن اختصاصاتها وإمكاناتها الحالية، ومنها توثيق احتياجات الضحايا وبناء السجل الوطني للضحايا والتحضير لمراكز التعافي، والاستماع إلى الضحايا وعائلاتهم وإشراكهم في تحديد أولويات جبر الضرر.

ويتابع مصطفى حديثه: “جبر الضرر لا يقتصر على التعويض المالي، بل يشمل الاعتراف بالضحايا ورد اعتبارهم وكشف الحقيقة وحفظ الذاكرة والدعم والتعافي وضمانات عدم التكرار”.

ويلفت مصطفى إلى أنه يمكن الانتقال إلى برامج أوسع وأكثر شمولاً لجبر الضرر بمجرد اكتمال الإطار القانوني والتشريعي وتوافر الإمكانيات اللازمة، بما يضمن أن تكون حقوق الضحايا جزءاً من سياسة وطنية مستدامة وليست مجرد إجراءات مؤقتة.

وفي 9 آب الجاري، دعا مصطفى الضحايا وذويهم وكل من تضرر من المتهم اللواء السابق محمد الشعار والذي شغل مناصب قيادية في عهد النظام البائد إلى تقديم الادعاءات والإفادات والشكاوى بحقه.

وذكر مصطفى أن الشعّار والذي شغل العديد من المواقع ومنها توليه رئاسة الأفرع الأمنية ووزارة الداخلية في زمن النظام البائد هو قيد التوقيف والتحقيق حالياً.

المصدر: الإخبارية