تشكّل زيارة الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون إلى دمشق محطة مهمة في مسار العلاقات الثنائية بين البلدين، باعتبارها الأولى لرئيس فرنسي إلى سوريا منذ عام 2008، ولا سيما أنها تحمل في طياتها الكثير من الملفات الاقتصادية والتجارية، وتعكس مرحلة جديدة من الانفتاح والتعاون والشراكة بين الجانبين.
وتأتي الزيارة في توقيت تسعى فيه الدولة السورية لترسيخ حضورها على الساحتين الإقليمية والدولية واستقطاب الدعم الدولي في مرحلة التعافي الاقتصادي وإعادة الإعمار.
كما أن الزيارة تمنح دمشق دافعاً دبلوماسياً مهماً، إذ تشكّل اعترافاً عملياً بأن سوريا أصبحت شريكاً لا يمكن تجاوزه في ملفات الأمن الإقليمي، ومكافحة الإرهاب، والاستقرار في المشرق، وتفتح الباب أمام تطوير العلاقات مع بقية الدول الأوروبية ذات الاهتمام المشترك.
ويرافق ماكرون وفداً يضم مسؤولين حكوميين وممثلين عن شركات فرنسية، في خطوة تعكس اهتماماً فرنسياً بالمشاركة في مشاريع إعادة الإعمار، ولا سيما في قطاعات البنية التحتية، والطاقة والصحة، والتعليم، إلى جانب بحث فرص الاستثمار والتعاون الاقتصادي والتنمية المستدامة، إضافة إلى تمكين مؤسسات الدولة وإعادة هيكلتها.
بدوره، رحّب السيد الرئيس أحمد الشرع بزيارة نظيره ماكرون، مؤكداً أن سوريا دخلت مرحلة إعادة الإعمار وتمتلك فرصاً استثمارية واعدة، مشيراً إلى أهمية التعاون مع الدول المتقدمة وفي مقدّمتها فرنسا، للمساهمة في تنفيذ مشاريع التنمية وإعادة بناء البنية التحتية.
وقال الرئيس الشرع في مقابلة مع قناة BFMTV الفرنسية، إن الرئيس ماكرون تواصل معنا منذ التحرير، وكان لفرنسا دور بنّاء في رفع العقوبات عن سوريا.
وكشف السيد الرئيس أن الزيارة ستشهد توقيع عدد من الاتفاقيات، مبيناً أن إعادة بناء الدولة تقوم على محاور متعددة، تسهم في تمكين مؤسسات الدولة، لافتاً إلى أن فرنسا أسهمت في انفتاح سوريا على الخارج.
الرئيس الفرنسي أكد في منشور عبر منصة “إكس” أمس، أن زيارته تأتي تعبيراً عن التزام فرنسا تجاه الشعب السوري، ودعماً لسوريا ذات السيادة والوحدة، معرباً عن تطلعه إلى “فتح صفحة جديدة من الاستقرار والسلام”.
كما أثمرت الزيارة عن استعادة 23 قطعة أثرية سورية من معهد العالم العربي في باريس، بعد أن استعارها عام 2011 للمشاركة في العرض الدائم الذي يحكي عن حضارة العالم العربي، إلى جانب مجموعة متنوعة متميزة من القطع من الدول العربية.
أبعاد سياسية
ويرى محللون سياسيون أن زيارة ماكرون لسوريا تحمل أبعاداً سياسية تتجاوز العلاقات الثنائية، إذ تعكس اهتماماً أوروبياً متزايداً بالانخراط مع دمشق، كما تعزز مكانة فرنسا بوصفها أحد أبرز الفاعلين الأوروبيين في هذا المسار، مستفيدة من ثقلها السياسي ودورها داخل مجلس الأمن.
واعتبر المحللون أن العلاقات الثانية بين البلدين انتقلت إلى مرحلة المصالح المشتركة، كما تمثّل امتداداً لمسار الانفتاح الذي بدأ منذ إسقاط النظام البائد، ولا سيما منذ زيارة الرئيس أحمد الشرع إلى باريس في أيار 2025.
وتعكس هذه الزيارة توجّه البلدين نحو إرساء إطار أكثر استقراراً للعلاقات الثنائية، يقوم على تفعيل الحوار السياسي وتوسيع قنوات التواصل والتنسيق، إضافة إلى توسيع علاقات الشراكة بين سوريا ودول الاتحاد الأوربي بما ينسجم مع السياسة التي تنتهجها الحكومة السورية، ويفتح المجال أمام بناء علاقات أكثر اتساعاً خلال المرحلة المقبلة.




