كانت الحافلات تستعد لمغادرة داريا، فيما كانت أسراب من الطيور المهاجرة تعبر سماء المدينة في الاتجاه نفسه، في تلك الجغرافيا المحاصرة بالعسكر والمدافع كان أهل داريا يصعدون إلى الحافلات حاملين ما خفّ من أمتعتهم.
في الأعلى كانت الطيور تمضي في رحلة تعرف طريقها جيداً، تعرف أين تحلق وأين تبات وأين وجهتها ومدة زيارتها، بينما يمضي ثوار داريا إلى مكان لا يعرفون عنه إلا اسمه، غالبيتهم لم يفكّر يوماً حتى بزيارة الشمال السوري.
توقّف كل شيء في تلك اللحظة أو هكذا بدا لأهل المدينة، الشوارع التي اعتادوا أن يقطعوها كل صباح صارت خلف نوافذ الحافلات، والبيوت التي احتموا بها خلال سنوات القصف تحولت إلى آخر ما تلتقطه عيونهم قبل الرحيل، لملموا ثياباً وحاجيات قليلة، وحملوا معهم صور من رحلوا، وتركوا خلفهم قبوراً وبيوتاً، وأحلاماً لم يكتمل معظمها.
كان بينهم من يبكي، ومن يحاول أن يخفي دموعه، ومن يراقب الطريق بصمت، ومن يتمسك بفكرة واحدة كي يستطيع المضي “سنعود”.
جرائم قبل جريمة التغيير الديموغرافي
شكّل التغيير الديموغرافي وحصار المناطق الثائرة إحدى أبرز الاستراتيجيات الممنهجة التي اتبعها نظام الأسد البائد وحلفاؤه لإجهاض الحراك المناهض له وإعادة هندسة الخارطة السكانية بإقصاء الثائرين وإبعادهم بالدرجة الأولى عن العاصمة.
اعتمدت هذه الاستراتيجية على كسر إرادة المجتمعات المحلية عبر سلاح الجوع، واستغلال الإنهاك الجسدي والنفسي للعائلات المحاصرة للوصول إلى تسويات تفضي إلى التهجير القسري.
وبالإمكان القول إنّ مدينة داريا هي النموذج الأكثر وضوحاً وقسوة لتطبيق هذه استراتيجية الحصار والعزل والحرمان من أساسيات الحياة كحليب الأطفال والطحين والأدوية، مما اضطر الأهالي إلى الاعتماد على وجبة حساء واحدة يومياً أو حشائش الأرض للبقاء على قيد الحياة.
وركزت هذه السياسة على تحويل العامل الإنساني ومعاناة النساء والأطفال إلى ورقة ضغط سياسية وعسكرية لابتزاز المقاتلين والناشطين في الداخل.
إذ لم يكتفِ النظام البائد بمنع الغذاء، بل أمطر المدينة بآلاف البراميل المتفجرة والقذائف الحارقة لتدمير المستشفيات الميدانية والبنية التحتية، وحتى الأراضي الزراعية المتبقية بداخلها لقطع أي مصدر ذاتي للغذاء.
إلى جانب العوامل السابقة، استغل النظام البائد تدهور الحالة الصحية للأطفال والنساء نتيجة سوء التغذية الحاد، وغياب الرعاية الطبية للمصابين بشتى الأمراض أو بشظايا القصف لإجبار حاضنة الثورة على الاستسلام.
وعندما وصلت العائلات إلى مرحلة عجزت فيها الأمهات عن إيجاد ما يسد رمق أطفالهن، وتحت وطأة التدمير الشامل للأبنية، أصبحت الخيارات محصورة بين الموت الجماعي جوعاً وتحت الأنقاض أو القبول بالتهجير.
التوجه للمجهول
“إلى الشمال السوري” لا شيء يعرفه الأهالي عن وجهتهم سوى تلك العبارة، إلى أماكن لم يعرف بعضهم عنها أكثر من اسمها، ولم يكن يملك عنها سوى صورة مبهمة على الخريطة، لم تكن الرحلة اختياراً ولا سفراً عابراً، كانت خروجاً قسرياً من مدينة حوصرت أربع سنوات، بعدما ضاقت بها الأرض، ونفدت فيها سبل الحياة، وأصبح البقاء نفسه معركة يومية.
وفي تلك اللحظات، لم تكن الحافلات تحمل رجالاً ونساءً وأطفالاً فحسب، كانت تحمل ذاكرة مدينة كاملة، تحمل سنوات الثورة، ووجوه الذين سقطوا، وأيام الجوع، وليالي القصف، وحكاية مدينة بقيت صامدة على تخوم دمشق، قبل أن تجد نفسها مضطرة إلى الرحيل.
ومن هنا تبدأ حكاية داريا، لا من يوم تحركت الحافلات، بل من أربع سنوات سبقتها، من مدينة قريبة من قلب دمشق، اختارت أن تدخل الثورة، ثم وجدت نفسها محاصرة، فصمدت، حتى انتهى بها الطريق إلى تلك الحافلات، هذه قصة داريا، مدينة غادرها أهلها، لكنهم لم يتركوها خلفهم.
الحافلات.. حين غادرت المدينة أهلها
في صباح 26 آب 2016، وقفت الحافلات عند مداخل داريا، تنتظر أن تحمل ما تبقى من مدينة أنهكها الحصار، كانت الدفعة الأولى تضم غالبيتها من النساء والأطفال، إلى جانب بعض المقاتلين الذين اختاروا المغادرة مع عائلاتهم، لم تكن الوجوه متشابهة في مشاعرها، كان هناك بكاء وحزن عميق على الفقد والرحيل، وفي المقابل شعور بالارتياح لدى من رأوا في الخروج فرصة للنجاة بعد أربع سنوات من الحصار والقصف والخوف، وبين الشعورين بقي القلق من الطريق والمجهول مرافقاً للمهجرين.
يصف مالك الرفاعي الناشط الإعلامي الذي عمل في المكتب الإعلامي للمجلس المحلي في داريا، لموقع الإخبارية، تلك اللحظة بأنها مزيج من “القلق والرعب من رحلة الطريق، وفي الوقت نفسه حزن على الفقد والترك”.
كانت النساء يضممن بعضهن ويبكين نساء جمعهن الحصار ولقمة الخبز، وربما لم تجمعهن معرفة سابقة، لكن سنوات القسوة صنعت بينهن روابط لا تصنعها الظروف العادية.
أما المقاتلون، فكانوا يحاولون تمالك دموعهم أمام أهاليهم، فيما وقف الأطفال ينظرون إلى أمهاتهم وآبائهم دون أن يفهموا تماماً لماذا يتركون كل شيء.
وقبل الصعود إلى الحافلات، اتجه بعض الأهالي إلى قبور الشهداء، لمسوا التراب بأصابعهم، واستعادوا وجوه الذين سقطوا خلال سنوات الحصار، وراودهم سؤال واحد: ماذا سيحدث لهذه القبور بعد أن نرحل؟ كان الخوف من نبشها حاضراً في لحظة الوداع الأخيرة.
وفي اليوم التالي، خرجت الدفعة الثانية، وكان بين أفرادها عدد أكبر من المقاتلين والناشطين، إلى جانب عائلات رفضت المغادرة دون أقاربها وفي 28 آب، كانت داريا قد فقدت خلال يومين فقط أكثر من 1300 عائلة، عدا عن آلاف العائلات التي حالفها الحظ في سنوات سابقة بالنجاة والهروب من آلة القتل.
داريا.. رعب النظام المخلوع
قبل سنوات من دخول تلك الحافلات، كانت داريا تدخل واحدة من أقسى مراحل تاريخها، لم تكن مجرد ضاحية مجاورة لدمشق، وإنما كانت مدينة ثائرة على تخوم العاصمة، قريبة من مركز القرار السياسي والأمني، وملاصقة لمواقع عسكرية وأمنية حساسة.
يستعيد مدير المكتب الإعلامي لمدينة داريا ياسر جمال الدين أهمية القرب الجغرافي المباشر لداريا من قلب العاصمة دمشق، وملاصقتها لـ”مطار المزة العسكري” والمقرات السياسية والأمنية السيادية، مؤكداً أنه شكل عاملاً حاسماً جعل العبء العسكري والأمني عليها مضاعفاً، هذا القرب الاستراتيجي لم يكن تهديداً لجهة واحدة، بل شكل ضغطاً متبادلاً وهائلاً على الطرفين.
فمن جهة، شكّل هذا الموقع ضغطاً وجودياً على نظام الأسد البائد، الذي رأى في حراك داريا المنظم خطراً مباشراً يهدد معقله الرئيسي وحزام أمان العاصمة، مما دفعه لرمي كل ثقله العسكري لكسرها.
ومن جهة أخرى، فرض هذا القرب ضغطاً هائلاً وحصاراً خانقاً على المدينة وأهلها، الذين واجهوا ترسانة عسكرية ضخمة صُبّت فوق رؤوسهم لمنع تمدد الثورة إلى عمق دمشق.
يستذكر جمال الدين أن بداية حكاية داريا مع الثورة كانت بحراك سلمي تميز بوعي مبكر وتنظيم لافت، وفي بدايات الثورة، خرج أبناؤها حاملين الزهور والمياه للجنود، في محاولة لتأكيد سلمية احتجاجهم، لكن المشهد تغير مع تصاعد الأحداث وانتقال الثورة إلى العمل المسلح.
ذلك القرب منحها رمزية خاصة، فبقاء مدينة ثائرة وصامدة قرب دمشق كان يعني أن الثورة تقف على مسافة قريبة من مركز السلطة، كانت خطراً يهدد استقرار النظام البائد ويقوّض من سطوته الأمنية على عاصمة الدولة.
بدأت حكاية داريا مع الثورة بحراك سلمي تميز بوعي مبكر وتنظيم لافت، وفي بدايات الثورة، خرج أبناء المدينة حاملين الزهور والمياه للجنود، في محاولة لتأكيد سلمية احتجاجهم، لكن المشهد تغير مع تصاعد الأحداث وانتقال الثورة إلى العمل المسلح.
ثمّ تشكلت مجموعات من الجيش الحر، ضمت منشقين عن الجيش وأشخاصاً لم يحملوا السلاح من قبل، ثم بدأت هذه المجموعات تتوحد، وصولاً إلى تنظيم الحياة العسكرية من خلال تشكيل ألوية وكتائب بعضها كانت مزيجاً من أهالي داريا والمدن المتاخمة لها.
وفي الوقت نفسه، لم تكن داريا جبهة عسكرية فقط، فقد أصبحت تجربة لإدارة مدينة ثائرة عبر مجلس محلي، مع خضوع الفصائل العسكرية لسلطة مدنية محلية.
وهكذا، لم تكن المعركة على داريا معركة للسيطرة على بضعة أحياء فحسب، كانت معركة على مدينة قريبة من العاصمة، اختارت أن تبقى خارج سلطة النظام البائد.
داريا وبداية الحصار
كتب النظام البائد صفحة سوداء جديدة في تاريخ سوريا، بارتكابه مجزرة مروعة نفذها بحق أهالي المدينة في آب عام 2012، كانت مجزرة داريا نقطة فاصلة في مسار المدينة.
وبحسب شهادات أبناء داريا، أسفرت المجزرة عن أكثر من 700 شهيد، بينهم عائلات كاملة، إضافة إلى 205 جثامين مجهولة الهوية ونحو 1100 مصاب، إضافة إلى مئات المفقودين والمعتقلين.
بعد المجزرة، أغلقت قوات النظام مداخل داريا ومنعت الدخول والخروج، وقطعت عنها الطعام والماء والكهرباء، فيما بدأت مساحة المدينة تتقلص تدريجياً تحت القصف والاقتحام، كلما تعذر التقدم في حي اشتد القصف عليه، وتحولت البساتين إلى أهداف، حتى انتهى الأمر بأهالي داريا في الأيام الأخيرة محاصرين في حيين فقط.
وهنا بدأت السنوات الأربع التي جعلت كلمة “الحصار” في داريا شيئاً يتجاوز معناها العسكري، أصبح الحصار نمط حياة لم يألفها أحدٌ من قبل.
أربع سنوات من العزل
بحلول منتصف 2013، كانت طرق الدخول والخروج قد أغلقت، وتحولت داريا إلى مساحة ضيقة يعيش فيها الأهالي والمقاتلون معاً تحت القصف، كانت النيران تأتي من جبال قاسيون والسومرية ومعضمية الشام ومطار المزة العسكري والثكنات المحيطة، لم يعد الموت حدثاً طارئاً، صار احتمالاً يومياً.
وفي أواخر 2013، انقطعت المواد الغذائية تقريباً، فبدأ الأهالي يبحثون عما تبقى في المحال والبيوت التي تركها أصحابها، وعندما نفدت تلك الموارد، لم يبقَ أمامهم إلا ما يمكن جمعه وإعادة توزيعه.
مع بداية 2014، صار دخول بعض المواد الغذائية ممكناً عبر طرق التفافية من معضمية الشام، لكنها لم تكن تكفي، عاش سكان داريا خلال فترة من الحصار على حساء شديد الفقر بالمكونات، ماء بنسبة تكاد تكون كاملة، والقليل من البرغل أو العدس.
يستعيد مالك الرفاعي تلك الأيام بوصفها جزءاً من الذاكرة الجماعية للمدينة، فحتى الطعام القليل الذي كان يبدو قاسياً في حينه تحول بعد سنوات إلى حكاية يتندر بها الناس، بعدما أصبح مجرد البقاء إنجازاً بحد ذاته، لكن الحصار لم يكن جوعاً فقط، كان القصف حاضراً في تفاصيل الحياة.
تروي منى العبار إحدى الناجيات من تلك المرحلة السوداء أن قصفاً استهدف حياً أدى إلى استشهاد عميها وابن عمها وقريب آخر، وإصابة شباب من العائلة، وفي الأيام الأخيرة، كان القصف يشتد، ويسقط الشهداء تباعاً، لكن لم يكن لدى الناس وقت للحزن، “ما عندك رفاهية الحزن، ما عندك رفاهية تقبل التعازي، كل حدا كان يسمع الخبر وبنفس الوقت ينتظر دوره”.
وكان الحصار بالنسبة إليها أشد قسوة لأنها كانت حاملاً، وتفكر كل يوم في الطفل الذي سيأتي إلى الدنيا وسط الجوع والقصف والخوف، وتتساءل عن المصير الذي ينتظره، ومع كل ذلك، لم يكن الخروج من داريا وارداً في حسابات أهلها.
ظل الأمل قائماً في المناطق الثائرة المحيطة، وفي الدعم الذي كان يأتي من أبناء المدينة الموجودين خارجها.
الصمود حياة كاملة
في قلب الحصار، لم تكن داريا مجرد جبهة عسكرية، كانت مدينة تحاول أن تبقي حياة أهلها ممكنة، مهما ضاقت المساحة، كانت النساء يتقاسمن الطعام ويعتنين بالأطفال ويخففن عن بعضهن وطأة الأيام، والمقاتلون، رغم الخسارات المتتالية، واصلوا الدفاع عن مدينتهم.
أما الأطفال، فكبروا وهم يرون أمهاتهم وآباءهم يعيشون تحت القصف، دون أن يفهموا لماذا صار البيت مكاناً للخوف بدل أن يكون مكاناً للأمان، حتى الموت أصبح مألوفاً إلى درجة قاسية.
في آخر أيام الحصار، كان الناس يعرفون معظم الشهداء، إما لأنهم أقارب أو أصدقاء أو جيران، ومع ذلك، لم يكن هناك وقت طويل للتوقف عند الفقد، لأن القصف مستمر، والتهديد يقترب، والجميع ينتظر دوره.
في أواخر 2015، اشتدت العمليات العسكرية على داريا ومعضمية الشام، وانقطع الطريق بين المدينتين، فانقطعت آخر وسيلة لإدخال الإمدادات.
ومع دخول 2016، أصبح الحصار أكثر قسوة، فيما غاب أي أمل جدي في فكّه، بعد أربع سنوات من الصمود، بدأ الشعور بالخذلان يتغلب على فكرة الانتصار العسكري.
يقول مالك الرفاعي إن الحديث عن العودة لم يعد يقيناً، بل أصبح “عزاء في النفس”، ومع ذلك، خرج أبناء داريا وهم يقولون لجنود النظام البائد: “نحن راجعون”.
ثلاثة أيام.. ومدينة في الحافلات
في 25 آب 2016، بدأت الاستعدادات النهائية للتهجير، اتجه الأهالي إلى قبور الشهداء، كأنهم يريدون الاطمئنان عليها قبل أن يتركوا المدينة، وبعدها بيوم جاءت الحافلات.
تشير وثائق الأمم المتحدة إلى أن اتفاقاً محلياً لإجلاء المدنيين والمقاتلين أُبرم في 24 آب 2016، وأن 1906 أشخاص خرجوا من داريا يومي 26 و27 آب، توجه 1411 منهم، بمن فيهم مقاتلون وأفراد من عائلاتهم، إلى مناطق تسيطر عليها فصائل المعارضة في إدلب، فيما خرج 485 شخصاً إلى منطقة حرجلة في ريف دمشق الخاضعة لسيطرة النظام البائد.
وتوضح الوثائق أن الأمم المتحدة لم تكن طرفاً في الاتفاق ولم تشارك في التفاوض عليه، لكنها تابعت الوضع الإنساني خلال عملية الإجلاء.
الطريق إلى إدلب.. فصل آخر من الخوف
لم يكن الأهالي يعرفون ما ينتظرهم بعد مغادرة المدينة، وكان القلق من الطريق حاضراً في كل لحظة، لكن صدمة أخرى كانت تنتظرهم.
تستذكر العبار تلك الرحلة، وتقول إنّ أكثر ما بقي في ذاكرتها من رحلة الخروج، بعد صورة الطيور المهاجرة، كان مرور الحافلات في المناطق المحيطة بالمدينة، ورؤية الناس يعيشون حياتهم بصورة طبيعية، يأكلون ويشربون يذهبون إلى المدارس ويحتفلون.
كانت داريا تخرج من أربع سنوات لم تعرف فيها شيئاً يشبه الحياة الطبيعية، بينما كانت الحياة خارجها مستمرة، كان المشهد صادماً.
داخل المدينة، كان الأهالي يشعرون أن العالم كله يعيش حصارهم معهم، لكن الطريق كشف لهم أن الحياة في الخارج لم تتوقف كما توقفت حياتهم.
الديار تستقبل أهلها
يقول الرفاعي إن أربع سنوات من الحصار والموت والجوع والقصف، وغياب أي عمل عسكري جاد لفك الحصار، جعلت الآمال تقف عند حدود آنية وبسيطة، ولذلك كان الحديث عن العودة في تلك اللحظة أقرب إلى المواساة والعزاء، لكن الجملة بقيت، “سنعود”.
حمل أبناء داريا هذه العبارة معهم إلى الشمال، كما حملوا صور الشهداء وذكريات البيوت والقبور والمدينة التي تركوها خلفهم.
أقاموا تجمعات لأهالي داريا في المدن التي استقروا فيها، وأحيوا ذكريات المجزرة والتهجير في المناسبات والأعياد، والأهم أنهم نقلوا الحكاية إلى أبنائهم، كانوا يقولون لأطفالهم إن داريا بلدهم، وإن عليهم أن يعرفوا قصة الثورة والتضحيات والشهداء.
حتى إذا لم تكن العودة من نصيب جيلهم، حملها الجيل الذي بعدهم، ويقول جمال الدين، وهو معتقل سابق، إن العودة اليوم تعني بالنسبة إليه انكسار عهود الاستبداد ونهاية زمن الملاحقات والتغييب القسري والرعب الأمني، وأن الوقوف على تراب داريا حراً هو الانتصار الحقيقي على السجان، وبداية بناء المدينة بأيدي أهلها وقرارهم المستقل.
أما منى العبار فتختصر إرث الرحلة كلها برسالة للأجيال: “كونوا أوفياء لدماء الشهداء، ولا تنسوهم، احكوا لأولادكم وللأجيال القادمة عن الشهداء والتضحيات التي حدثت لنعيش هذه الأيام”، داريا لم تخرج من الذاكرة يوم خرجت منها الحافلات، بقيت في صور النساء ودموع المقاتلين، وفي قبور الشهداء التي خاف أهلها عليها، وفي طفل لم يفهم لماذا يترك كل شيء، وفي امرأة حملت طفلاً في رحمها وهي تسأل كيف سيولد وسط الجوع والقصف.
خرجت المدينة من حصارها محمولة على الحافلات، لكنها لم تخرج من أهلها، ولهذا لم تكن “سنعود” مجرد جملة قيلت عند مغادرة المدينة، كانت وعداً حمله المهجرون معهم، وربّوه في أطفالهم، وظل يكبر بعيداً عن داريا.
ومثل الطيور التي حلقت فوق المدينة يوم الرحيل، غادر أهل داريا المكان وهم لا يعرفون إن كانوا سيعودون، لكنهم عادوا، هذه المرة، لم يعودوا مهجّرين، عادوا وهم على من حاصرهم وهجرّهم منتصرين.
عادوا إلى داريا بكروم عنبها وبساتينها، إلى ورش صناعة الأثاث والمفروشات، إلى أزقتها ومقاهيها ومساجدها وأسواقها، داريا التي تضج بالحياة لا التي يعصف بها الحصار والقتل.




