تطلق وزارتا الداخلية والصحة تزامناً مع اليوم العالمي لمكافحة المخدرات الذي يصادف 26 حزيران من كل عام، حملة وطنية شاملة تحت شعار “سوريا دون مخدرات“، في خطوة تعكس توجهاً رسمياً نحو بناء منظومة حماية مجتمعية أكثر صلابة.
وتأتي الحملة ضمن توجه حكومي يعتبر أن مواجهة المخدرات ليست عملاً أمنياً فحسب، بل مشروعاً وطنياً يهدف إلى تعزيز الأمن المجتمعي، وصون الصحة العامة، وترسيخ سيادة القانون عبر مقاربة متكاملة تجمع بين الوقاية والعلاج والتوعية وإنفاذ القانون.
منظومة مستدامة تركز على الإنسان
وتؤكد الجهات المختصة أن هذه الخطوة تأتي استجابة للتحديات التي فرضتها السنوات الماضية، وما رافقها من محاولات لاستهداف المجتمع السوري بظاهرة المخدرات عبر الترويج والاتجار والتهريب والاستغلال الاجتماعي.
وفي مواجهة هذه الواقع، تسعى الحملة إلى تحويل الجهد الوطني من ردود الفعل إلى بناء منظومة مستدامة قادرة على خفض الطلب وتجفيف بيئات الانتشار، مع التركيز على الإنسان بوصفه محور الحماية وأساس الاستقرار.
مشروع وطني
في هذا الصدد، أوضح مدير إدارة مكافحة المخدرات العميد خالد عيد، في حديثه لموقع الإخبارية، أن الوصول إلى “سوريا دون مخدرات” ليس شعاراً يُرفع في المناسبات، بل مشروع وطني يقوم على خطط علمية ومدروسة.
وأشار إلى أن الدولة تعمل اليوم على تطبيق القانون على الجميع دون استثناء، وإعادة تنظيم أجهزة المكافحة وفق أسس الشفافية وسيادة القانون.
وأكد عيد أن المقاربة الجديدة تعتمد على التوازن بين الردع والعلاج، فالمتعاطي يُنظر إليه كضحية تستوجب الرعاية، بينما يُعامل المروج والمهرب كمرتكب لجريمة تستدعي العقاب.
وأضاف أن الوزارة واجهت خلال الأشهر الماضية واقعاً معقداً شمل مراكز تصنيع محلي وشبكات ترويج تستهدف فئة الشباب، ما استدعى تعزيز الضبط الأمني وإحكام الرقابة على المنافذ الحدودية، وتطوير أجهزة المكافحة عبر تزويدها بتقنيات تتبع حديثة، وبناء قاعدة بيانات متكاملة حول الشبكات الفاعلة.
وحول الآليات الجديدة التي تعتمدها الحملة، أوضح عيد أنه تم تفعيل خطوط ساخنة آمنة لتلقي البلاغات بسرية تامة، مشيراً إلى المسار العلاجي البديل الذي يمنح المتعاطين إعفاءً قانونياً إذا تقدموا طوعاً للعلاج، إضافة إلى الرقابة التقنية التي تعتمد على الوسائل الرقمية والدوريات الذكية لضبط الشحنات المشبوهة، وبرامج التوعية التي تستهدف المدارس والجامعات.
أما عن التنسيق بين الوزارات، بيّن عيد إلى أن العمل يجري عبر اللجنة الوطنية العليا لمكافحة المخدرات، التي تجمع وزارات الداخلية والصحة والتربية والتعليم العالي والإعلام والثقافة، بهدف تحصين الطلاب، وإزالة الوصمة الاجتماعية عن المتعافين، وتوحيد الخطاب التوعوي، والإشراف على السلائف الكيميائية ومصحات التأهيل.
المضبوطات.. أرقام ضخمة
وقال عيد إن العمليات التي نفذتها إدارة مكافحة المخدرات خلال الفترة الماضية تعكس حجم الظاهرة وتعقيدها، فقد تمكنت الإدارة من تنفيذ 1550 عملية ضبط وإحباط، أسفرت عن تفكيك 90 شبكة تهريب دولية منظمة، وإغلاق 17 معملاً لتصنيع الكبتاغون، ومصادرة 20 مستودعاً للتخزين.
وفيما يخص المواد المضبوطة، فقد كشف عيد عن أرقام ضخمة تشمل: 697 مليون حبة كبتاغون، 15 طناً من الحشيش، 10 ملايين حبة من الأدوية المخدرة، 180 كيلوغراماً من الكوكايين، 84.5 كيلوغراماً من مادة الكريستال، و7 كيلوغرامات من الهيرويين، إضافة إلى 221 طناً من المواد الأولية الكيميائية.
ولفت عيد إلى أن هذه الأرقام تعكس تحديات اقتصادية وجغرافية تحاول شبكات التهريب استغلالها، لكنها في الوقت نفسه تظهر قدرة الدولة على محاصرة هذه الآفة عبر تعاون المجتمع والأجهزة المعنية.
بعد التحرير.. سوريا على خط التعاون الدولي
منذ 8 كانون الأول 2024، دخلت سوريا مرحلة جديدة من الانخراط الإقليمي والدولي في ملف مكافحة المخدرات، في إطار ما وصفه نائب وزير الداخلية اللواء عبد القادر طحان، في تصريحات سابقة بأنه “تفكيك اقتصاد المخدرات بعد التحرير”.
وإلى جانب الجهود الأمنية التي نفذتها وزارة الداخلية وإدارة مكافحة المخدرات محلياً وبالتعاون مع الدول المجاورة، والتي أسفرت عن ضبط كميات كبيرة من المخدرات وتفكيك شبكات التهريب والترويج، شاركت سوريا في عدد من الفعاليات الدولية، من بينها المشاركة في آذار الماضي في الدورة التاسعة والستين للجنة المخدرات التابعة للأمم المتحدة، قدّم خلالها الوفد السوري عرضاً حول الجهود الوطنية لتفكيك اقتصاد الكبتاغون، مؤكداً أن سوريا لن تكون ممراً أو مصدراً لاقتصاد المخدرات.
وفي كانون الأول الماضي، أشاد مكتب الأمم المتحدة المعني بالمخدرات والجريمة، بجهود سوريا في الحد من تصنيع المخدرات وتعطيلها، وقال إن التصنيع واسع النطاق لمادة الكبتاغون غير المشروعة في سوريا قد تعطل بعد عام على التحرير.
كما شاركت سوريا في المؤتمر الثالث لمكافحة المخدرات في العاصمة العراقية بغداد، وفي تونس حضرت مؤتمرات عربية عدة ناقشت إعادة صياغة الاستراتيجية العربية لمكافحة الاستعمال غير المشروع للمخدرات، وإنشاء مرصد عربي موحد، وتطوير آليات تبادل المعلومات بين الدول.
شراكة واسعة لإنجاح الحملة
وتشدّد الجهات المنظمة لحملة “سوريا دون مخدرات” أن نجاحها يعتمد على شراكة واسعة تتجاوز حدود المؤسسات الأمنية لتشمل القطاعات الصحية والتعليمية والثقافية والإعلامية، إضافة إلى الأسرة والمدرسة والمؤسسات الشبابية.
ومن خلال هذا التكامل، تعمل الدولة على تعزيز خدمات الصحة النفسية، وتوسيع برامج العلاج والتأهيل، وتفعيل دور المؤثرين مجتمعياً، بما يضمن بناء بيئة أكثر وعياً وقدرة على الوقاية، ويجعل من مكافحة المخدرات مسؤولية مشتركة تعكس روح العمل الوطني الجماعي.
