التضخم في سوريا.. 15 عاماً من تراجع الليرة وانهيار القوة الشرائية

التضخم في سوريا.. 15 عاماً من تراجع الليرة وانهيار القوة الشرائية

شهد الاقتصاد المحلي خلال الفترة الممتدة بين عامي 2010 و2025 تحولات عميقة انعكست بصورة مباشرة على المستوى العام للأسعار، إذ انتقل من مرحلة اتسمت باستقرار نسبي قبل عام 2011 إلى واحدة من أكثر البيئات التضخمية تعقيداً، نتيجة تداخل عوامل نقدية واقتصادية وهيكلية واستثنائية.

وفي دراسة حول واقع التضخم في سوريا صدرت حديثاً أوضحت هيئة التخطيط والإحصاء أن تغيرات الأسعار خلال السنوات الماضية لم تكن نتيجة عامل واحد، بل جاءت نتيجة تفاعل مجموعة من العوامل، أبرزها تراجع سعر صرف الليرة، واضطرابات سلاسل الإمداد، وارتفاع تكاليف النقل والطاقة، إضافة إلى تأثيرات العوامل الخارجية والقرارات الاقتصادية.

واعتمدت الدراسة على تحليل الرقم القياسي لأسعار المستهلك وفق منهجية إحصائية تستند إلى بيانات مسح دخل ونفقات الأسرة للفترة 2008–2009، مع اعتماد عام 2010 سنة أساس، حيث شملت سلة المستهلك نحو 1400 مادة استهلاكية تفصيلية جرى تجميعها ضمن نحو 570 مادة أساسية.

2010–2011.. مرحلة الاستقرار النسبي

تشير الدراسة إلى أن عام 2010 وبداية 2011 تميزا باستقرار نسبي في الأسعار، لكن نهاية 2011 شهدت انتقالاً تدريجياً إلى اضطراب، مع تراجع سعر الصرف وارتفاع التضخم، خاصة في المواد الغذائية التي شكلت 72% من الزيادة.

وتصف الدراسة هذه المرحلة بأنها انتقال من استقرار إلى صدمة سعرية امتدت لاحقاً.

2012–2013.. من اضطراب السوق إلى التضخم المركب

شهدت هذه المرحلة انتقال الاقتصاد المحلي إلى تضخم حاد نتيجة تراجع سعر الصرف وتعطل الإمداد وارتفاع تكاليف النقل، وضغوط الطاقة.

وخلصت الدراسة إلى أن التضخم تحول في هذه المرحلة من ارتفاعات سعرية إلى تغيرات هيكلية في السوق وسلاسل التوريد.

2014–2016.. مرحلة الانهيار الهيكلي للاقتصاد

شهدت هذه الفترة تحولاً نوعياً من تضخم الصدمات إلى “تضخم اقتصاد الحروب”، مع موجات متتالية من الارتفاع بفعل تراجع الإنتاج، واضطراب الأسواق، وانخفاض العملة، وبرز في هذه المرحلة “التسعير الاحترازي” المرتبط بتوقعات التجار لا بالتكلفة الفعلية، فتحول التضخم إلى أزمة معيشية شاملة.

2017–2019.. استقرار نسبي لكنه هش

شهدت هذه الفترة تباطؤاً نسبياً في التضخم بفضل تحسن الإمداد والإنتاج، لكن الاستقرار بقي هشاً، وأسهم تحسن النقل وفتح طرق رئيسية في تخفيف الاختناقات، لكن العلاقة بين التضخم وسعر الصرف ظلت قوية، مما يؤكد استمرار اعتماد الأسعار على تكلفة الاستيراد وسعر الصرف.

2020–2021.. تضخم معيشي واسع

تمثل هذه الفترة ذروة تضخمية حادة، اجتمعت فيها صدمة الصرف، والعقوبات، وأزمة لبنان المصرفية، وكورونا، واضطراب التجارة العالمية، وصعد سعر الصرف في هذه المرحلة من 1059 إلى 3462.7 ليرة للدولار، وامتد التضخم ليشمل كل تكاليف المعيشة اليومية، لا السلع الأساسية فقط.

2022–2024.. تضخم تكاليف المعيشة والطاقة

دخل الاقتصاد في هذه الفترة مرحلة تضخم جديدة، لم تعد مرتبطة فقط بسعر الصرف واضطراب الأسواق، بل بارتفاع تكاليف المعيشة والطاقة والنقل، وضعف الإنتاج وارتفاع تكاليف الاستيراد، وشكّل عام 2023 نقطة التحول مع تسارع حاد، وتشكلت دائرة تضخمية امتدت إلى كل جوانب الحياة الاقتصادية والمعيشية.

2025.. تصحيح سعري بعد مستويات مرتفعة

شكّل عام 2025 مرحلة مختلفة، حيث سجّل الرقم القياسي لأسعار المستهلك انخفاضاً ملحوظاً بعد تضخم قياسي، وتخلص الدراسة إلى أن هذا الانخفاض هو تصحيح سعري مؤقت، وليس عودة نهائية، نظراً لاستمرار تأثير العرض والطاقة وسعر الصرف.

خلاصة الدراسة

خلصت الدراسة إلى أن الاقتصاد المحلي انتقل منذ عام 2011 من حالة استقرار نسبي في الأسعار، ارتبطت أساساً بضعف القوة الشرائية، إلى واحدة من أعلى موجات التضخم في المنطقة، نتيجة تداخل عوامل اقتصادية وهيكلية واستثنائية أثرت في أداء الأسواق.

وأكدت الدراسة أن سعر الصرف شكّل المحرك الأكثر استمراراً للتضخم، بينما لعبت اضطرابات الإنتاج وسلاسل الإمداد والطاقة والنقل دوراً أساسياً في انتقال الصدمات إلى مختلف القطاعات.

المصدر: الإخبارية