الحماية أولاً ثم التعليم والعمل.. باحث اجتماعي يرسم خريطة طريق لإنهاء ظاهرة التسول

الحماية أولاً ثم التعليم والعمل.. باحث اجتماعي يرسم خريطة طريق لإنهاء ظاهرة التسول

أثار التراجع الملحوظ في أعداد المتسولين المتجولين في شوارع دمشق خلال الفترة الأخيرة تساؤلات حول ما إذا كان هذا الانخفاض يعكس تراجعاً حقيقياً للظاهرة، أم أنه مجرد تغير في أساليبها وأماكن ظهورها، وسط حديث عن حملات ميدانية نفذتها وزارة الشؤون الاجتماعية بالتعاون مع وزارة الداخلية والبلديات.

وفي تصريحات خاصة لموقع الإخبارية، أرجع الباحث الاجتماعي محمود الحسن تراجع الأعداد الظاهرة في الشوارع إلى الحملات الميدانية، موضحاً أن هذه الحملات قد تدفع بعض المتسولين إلى الانتقال إلى مناطق أخرى، أو الاختفاء خلال فترة وجود الدوريات في الشوارع، مؤكداً أن انخفاض عدد المتسولين الذين يمكن رؤيتهم لا يعني بالضرورة انتهاء الظاهرة.

تسول مقنع ومجموعات منظمة

أوضح الحسن أن بعض المتسولين قد يغيرون أماكن وجودهم، فينتقلون من شارع إلى آخر أو من دمشق إلى الريف أو إلى مدن أخرى، كما قد يغيرون أوقات ظهورهم في الشوارع.

وأشار إلى انتقال بعض الحالات من التسول الصريح إلى ما وصفه بـ”التسول المقنع”، مثل بيع المناديل والورد وتنظيف زجاج السيارات، أو العمل ضمن مجموعات أكثر تنظيماً وأقل ظهوراً في الشوارع.

وشدد على أن انخفاض عدد المتسولين الذين يمكن رؤيتهم في الشوارع قد يعني تغير طريقة ظهورهم وليس انتهاء الظاهرة، داعياً إلى معالجة أسباب التسول بدلاً من الاكتفاء بإبعاد المتسولين عن الأماكن العامة.

مؤشرات تكشف حقيقة التراجع

حدد الحسن عدداً من المؤشرات التي يمكن من خلالها معرفة ما إذا كانت ظاهرة التسول تراجعت فعلاً، موضحاً أن عدد المتسولين الذين يظهرون في الشوارع يمثل مؤشراً مرئياً، لكنه لا يعكس بالضرورة الحجم الحقيقي للظاهرة.

وربط المؤشر الأول بعدد الحالات الجديدة، موضحاً أن إخراج مجموعة من المتسولين من الشارع وتأمين المعيشة أو المكان أو العمل أو إعادة الأطفال إلى المدارس لا يكفي ما لم تتم مقارنة عدد الحالات التي تظهر لاحقاً مع العدد السابق.

وربط المؤشر الثاني بمعدل العودة إلى التسول، مبيناً أن عودة الشخص إلى الشارع بعد توفير الرعاية أو العمل أو الدعم خلال شهرين أو 3 أشهر تعني أن التدخل لم يعالج جذور المشكلة.

وخصّ المؤشر الثالث بالأطفال، داعياً إلى مراقبة أعدادهم في الشوارع بشكل مستقل، لأن وجود طفل في الشارع قد يرتبط بالفقر أو التسرب المدرسي أو التفكك الأسري أو الاستغلال الاقتصادي وقد يصل إلى الاتّجار بالبشر.

وربط المؤشر الرابع بالوضع الاقتصادي للأسر، موضحاً أن بقاء الأسرة من دون مصدر دخل أو دعم اجتماعي قد يؤدي إلى عودة الطفل إلى الشارع بعد فترة.

وجعل التعليم المؤشر الخامس، معتبراً أن نجاح التدخل لا يقاس بإبعاد الطفل عن الإشارة الضوئية فقط، وإنما بعودته إلى المدرسة واستمراره فيها، أو انتقاله إلى التدريب المهني المناسب لعمره.

الطفل المتسول.. حالة تحتاج إلى حماية

أكد الحسن أن الطفل المتسول لا ينبغي التعامل معه باعتباره المشكلة أو كمخالف، بل يجب النظر إليه باعتباره أحد ضحايا المشكلة المحتملين ودراسة الأسباب التي دفعته إلى الشارع.

وحدد مجموعة من الاحتمالات التي ينبغي التحقق منها، بينها الفقر والتسرب المدرسي والعنف الأسري والاستغلال الاقتصادي وفقدان الرعاية الأسرية، إضافة إلى احتمال وجود شخص أو مجموعة تستغل الطفل وتدفعه إلى التسول.

وشدد على أن التعامل مع الطفل يجب أن يبدأ بالحماية، عبر إبعاده عن الشارع وتأمين الطعام والرعاية الصحية والنفسية اللازمة له.

وأوضح أن المرحلة التالية تتمثل في دراسة الحالة بشكل منفصل، لمعرفة هوية الوالدين، وأسباب خروج الطفل إلى الشارع، وما إذا كان يذهب إلى المدرسة، أو يتعرض للعنف داخل الأسرة، أو يستغله شخص آخر، وما إذا كان يمارس التسول بإرادته أو تحت الإكراه.

وربط المرحلة الثالثة بإعادة الدمج، موضحاً أن الأسرة الآمنة والقادرة على رعاية الطفل يمكن أن تكون المكان الأنسب لإعادته إليها مع تقديم الدعم اللازم.

وأدرج التعليم والتأهيل ضمن المرحلة الرابعة من خلال إعادة الطفل إلى المدرسة وتوفير التعليم التعويضي أو التدريب المهني المناسب لعمره عند الحاجة.

وحذّر من إهمال مرحلة المتابعة، موضحاً أن إخراج الطفل من الشارع وتأمين احتياجاته لا يكفي من دون متابعة مستمرة خلال الشهر الأول والثاني والثالث، ثم بعد 6 أشهر وسنة، للتأكد من أنه لم يعد إلى الشارع وأنه استمر في التعليم أو التأهيل.

3 أدوار لمواجهة التسول

حدد الحسن أدواراً متكاملة بين وزارة الشؤون الاجتماعية والعمل والشرطة والبلديات والمحافظات، معتبراً أن نجاح مكافحة التسول يحتاج إلى تعاون هذه الجهات كلٌّ ضمن اختصاصه.

وأوضح أن وزارة الشؤون الاجتماعية والعمل تتولى دراسة الحالات وإدارة الحالة الاجتماعية وحماية الأطفال وتأهيل الأسر وتوفير الدعم الاجتماعي والتدريب المهني وإعادة الدمج، إلى جانب متابعة الحالات بعد خروجها من مراكز الرعاية وبناء قاعدة بيانات وطنية.

وأكد أن الشرطة تتولى حماية الأشخاص وتطبيق القانون، مع التركيز على الحالات التي تتضمن استغلال الأطفال أو إجبار الأشخاص على التسول أو تشغيل الأطفال أو الاتّجار بالبشر أو العصابات المنظمة أو العنف والإكراه.

وشدد على ضرورة توجيه الإجراءات القانونية نحو المستغِل وليس الطفل المستغَل، بحيث لا يعامل الطفل باعتباره مجرماً بسبب وجوده في الشارع.

وأوضح أن البلديات والمحافظات تتولى تنظيم المجال العام والشوارع والأرصفة، بالتنسيق مع الفرق الاجتماعية، ودعم الحملات المحلية وتحديد النقاط التي تتركز فيها ظاهرة التسول.

نموذج سوري متعدد المستويات

رفض الحسن نقل أي تجربة دولية وتطبيقها في سوريا كما هي، موضحاً أن واقع التسول في البلاد يرتبط بالفقر والنزوح والبطالة وآثار الحرب وضعف شبكات الحماية الاجتماعية، ما يتطلب نموذجاً سورياً خاصاً متعدد المستويات.

وأشار إلى أن أحد أهم الدروس الدولية يتمثل في الانتقال من مطاردة المتسول إلى إدارة الحالة؛ عبر معرفة سبب وصول الشخص إلى الشارع وما يحتاج إليه كي لا يعود، وربط ذلك بالاحتياجات الأساسية وإعادة الاندماج الأسري والتعليم والتأهيل والتمكين الاقتصادي والوقاية.

وأكد أن التعامل مع الأطفال يجب أن يركز على حمايتهم، خصوصاً في الحالات المرتبطة بعمالة الأطفال أو الاستغلال المحتمل.

ولفت إلى ضرورة مكافحة الاستغلال المنظم، موضحاً أن جمع الأطفال وإرسالهم إلى الإشارات للحصول على الأموال ثم الاستيلاء عليها؛ يمثّل استغلالاً يستوجب التعامل معه بصورة مختلفة.

وربط الوقاية الاقتصادية باستقرار الأسرة، موضحاً أن إخراج الطفل من الشارع من دون مساعدة أسرته قد يؤدي إلى عودته أو دخول أحد أفراد الأسرة الآخرين إلى الشارع.

وشدد على ضرورة تأمين عمل للأب أو مصدر رزق مستمر للأسرة، مع متابعة أوضاعها خلال شهر وشهرين و3 أشهر وستة أشهر وسنة، للتأكد من استقرارها وابتعادها عن الحاجة إلى التسول.

النجاح لا يقاس بعدد المتسولين في الشارع

أكد الحسن أن انخفاض أعداد المتسولين الذين يظهرون في الشوارع لا يكفي وحده للحكم على تراجع الظاهرة، ما لم يترافق ذلك مع انخفاض الحالات الجديدة وتراجع معدلات العودة وتحسن أوضاع الأسر وعودة الأطفال إلى التعليم واستمرارهم فيه.

ودعا إلى الانتقال من معالجة وجود المتسول في الشارع إلى معالجة الأسباب التي دفعته إليه، بحيث تنتهي الحاجة إلى التسول من خلال الحماية والتعليم والعمل والاستقرار، لا بمجرد تغيير المكان الذي تظهر فيه الظاهرة.

المصدر: الإخبارية