تتفاقم أزمة مياه الشرب في قرى وبلدات حوض اليرموك بريف درعا مع تراجع مصادر المياه وارتفاع الاعتماد على الآبار والصهاريج لتأمين الاحتياجات الأساسية، في وقت تعاني فيه مناطق من تقنين شديد يصل إلى حصول السكان على المياه لساعة فحسب كل شهر، بينما تواجه بلدات أخرى انقطاعاً كاملاً للمياه منذ عامين.
وتدفع هذه الظروف الأُسر، لا سيما أصحاب الدخل المحدود إلى شراء صهاريج المياه بكلفة تصل إلى نحو 150 ألف ليرة سورية للنقلة الواحدة، في ظل تراجع غزارة الآبار المحلية التي باتت عاجزة عن تغطية الاحتياجات المنزلية، ما يفاقم الأعباء المعيشية ويجعل تأمين مياه الشرب تحدّياً يومياً للسكان.
وأجمعت شهادات أشخاص عدة لموقع الإخبارية على أن الأزمة ترتبط بتراجع إنتاجية محطة “عين ذكر”، التي تعد المصدر الرئيس لتغذية شبكة مياه الشرب في كامل قرى الحوض نتيجة انخفاض منسوب المياه في النبع المغذي لها.
وتؤكد الشهادات أيضاً أن أحد الأسباب الرئيسة يتمثل في انتشار آلاف الآبار المخالفة والعشوائية في المناطق المحيطة والتي تؤدي إلى استجرار جائر للمياه الجوفية واستنزاف المخزون المائي.
وتشير بيانات مديرية الموارد المائية في درعا إلى وجود ما بين 10 آلاف و15 ألف بئر مخالفة في المحافظة، فيما دفعت الأزمة سكان بعض القرى إلى تمويل حفر آبار إسعافية وتجهيزها بالطاقة الشمسية، لكن تراجع تدفق هذه الآبار من إنشين إلى إنش ونصف مع نهاية الشتاء وبداية الصيف يعكس محدودية الحلول المحلية أمام استمرار استنزاف الموارد المائية.
تقنين حاد وانقطاع متواصل للمياه
وتتخذ أزمة مياه الشرب في قرى حوض اليرموك بريف درعا الغربي أشكالاً متعددة من تقنين قاسٍ يحد من الكميات المتاحة للأهالي إلى انقطاع كامل للمياه في بعض البلدات، بالتزامن مع تراجع إنتاجية الآبار المحلية وارتفاع كلفة تأمين المياه بالصهاريج.
وقال أحد سكان بلدة معرية للإخبارية: إن الأهالي يحصلون على المياه مرة كل 15 يوماً ولمدة نصف ساعة فقط، موضحاً أن غزارة البئر الوحيدة في البلدة تراجعت إلى نحو إنش ونصف، ما يجعل الكميات المتاحة مخصصة لمياه الشرب بالدرجة الأولى.
وفي بلدة عابدين، قال أحد السكان: إن المياه منقطعة عن البلدة منذ عامين، الأمر الذي دفع الأهالي إلى الاعتماد على الصهاريج، مشيراً إلى أن كلفة النقلة الواحدة تصل إلى نحو 150 ألف ليرة سورية، وهو مبلغ يفوق قدرة شريحة واسعة من السكان.
آبار عشوائية تستنزف الموارد المائية
بدوره، يقول مدير الموارد المائية في درعا المهندس هاني عبد الله لموقع الإخبارية: إن التراجع الكبير في غزارة نبع “عين ذكر” يأتي ضمن انخفاض واضح شهدته غزارة الينابيع ومصادر المياه في حوض اليرموك خلال السنوات الأخيرة.
وأرجع عبد الله تراجع غزارة النبع أيضاً إلى قلة الهطولات المطرية والتغيرات المناخية، إضافة إلى تزايد الحفر العشوائي للآبار خلال الفترة الأخيرة.
وأوضح أن المديرية أحصت سابقاً الآبار غير المرخصة في قريتي العبدلي والبكار، والبالغ عددها 48 بئراً، وتبيّن أن قسماً منها يقع داخل التنظيم وغزارته منخفضة، ويستخدمه السكان لتأمين مياه الشرب وسقاية المواشي فيما جرت مخاطبة المؤسسة العامة لمياه الشرب لاستثمار هذه الآبار وتعويض أصحابها بالمياه وفق احتياجاتهم.
دراسة لاستثمار الآبار القريبة من “عين ذكر”
وبيّن عبد الله أن الوزارة أجرت جولة مشتركة إلى الموقع وكشفت على الآبار الموجودة، مع التوجيه بضرورة وضع المؤسسة العامة لمياه الشرب يدها على قسم منها واستثمارها لتأمين المياه للأهالي، وتزويد نبع “عين ذكر” بجزء من هذه المياه بهدف زيادة غزارته.
وبشأن مطالب الأهالي بردم الآبار غير المرخصة، أوضح أن تنفيذ ذلك قبل نحو عامين تعذَّر، بسبب الوضع الأمني الذي تطلّب تأمين قوى أمنية كبيرة، مشيراً إلى وجود دراسة حالياً لاستثمار جزء من الآبار، لا سيما القريبة من نبع “عين ذكر” والمؤثرة في غزارته، بهدف تحسين إنتاجيته، وتأمين المياه للسكان.
مبادرات أهلية تواجه تراجع غزارة الآبار
ومع استمرار الأزمة، لجأ سكان قرى عدة إلى مبادرات أهلية لتأمين مصادر بديلة شملت جمع الأموال، وحفر آبار إسعافية وتجهيزها بمعدّات ومنظومات طاقة شمسية، إلا أنّ تراجع الغزارة حدّ من فاعلية هذه الحلول، إذ انخفض تدفق إحدى الآبار من إنشين إلى إنش ونصف مع نهاية الشتاء وبداية الصيف.
يشار إلى أن نبع “عين ذكر” يعد مصدراً رئيساً لمياه الشرب لعشرات قرى الحوض، من بينها تسيل والبكار وصيصون ونافعة وجملة وعابدين، إذ كانت غزارته تتراوح بين 250 و300 متر مكعب في الساعة، قبل أن تنخفض إلى أقل من 100 متر مكعب في الساعة وتصل إلى مستويات حرجة.




