أكد مندوب سوريا الدائم لدى الأمم المتحدة إبراهيم علبي، في كلمته خلال جلسة للجمعية العامة للأمم المتحدة تم خلالها استعراض تقرير للآلية الدولية المحايدة المستقلة المعنية بسوريا ، الأربعاء ١٥ نيسان، أن العدالة الانتقالية وإنصاف ضحايا الجرائم المرتكبة بحق السوريين يشكّلان الأساس المتين لبناء سوريا الجديدة.
التزام يكشف الحقيقة والمحاسبة
وأوضح علبي أن الدولة السورية ومؤسساتها المختصة ملتزمة بمسارٍ منظم لكشف الحقيقة ومحاسبة المسؤولين، مشدداً على أهمية الشراكة مع المجتمع الدولي والآليات الدولية لدعم هذا المسار، بما يضمن عدم الإفلات من العقاب.
ووجه علبي رسالة مباشرة باللغة العربية إلى الشعب السوري، قائلاً: “أتحدث إليكم من هذا المنبر العالمي لأن رسالتنا اليوم موجهة قبل كل شيء إلى أمهات الشهداء، وأهالي المفقودين، والناجين من السجون والمجازر”.
وأكد أن النظام البائد ارتكب بحق السوريين جرائم “يندى لها جبين الإنسانية”، شملت القتل المنظم، والتعذيب، والإخفاء القسري، والتجويع، والتهجير، واستخدام الأسلحة المحرمة، مشيراً إلى أن الشعب السوري انتصر على من ظلمه.
العدالة الانتقالية خيار سيادي
وشدد علبي على أن سوريا، حكومة وشعباً، لن يهدأ لها بال حتى ينال من ارتكب تلك الجرائم الفظيعة جزاءه العادل، مؤكداً أن بناء السلام لا يقوم على النسيان أو الإنكار أو “القفز فوق الدم والوجع والحق”.
وأشار إلى أن الحكومة تنظر للعدالة الانتقالية بوصفها خياراً سيادياً ووطنياً وأخلاقياً لا رجعة عنه، لافتاً إلى عمل الهيئة الوطنية للعدالة الانتقالية والجهود المبذولة لملاحقة المجرمين وإجراء التحقيقات الشاملة.
وكشف المندوب الدائم عن العمل الجاري لاستكمال قانون شامل للعدالة الانتقالية، يقوم على مبدأ صارم لا مساومة فيه وهو: “لا إفلات من العقاب، ولا حصانة في مواجهة الجرائم الجسيمة”.
وفي ختام كلمته، أدان علبي الانتهاكات الإسرائيلية المستمرة للسيادة السورية ووحدة أراضيها وحقوق السوريين، معتبراً أن وقف هذه الانتهاكات ودعم مسار العدالة الانتقالية يمثلان مسؤولية دولية مشتركة.
المساءلة والعدلة تقودان لسلام دائم
من جهتها، قالت رئيسة الجمعية العامة أنالينا بيربوك، في مستهل الاجتماع، إن الآلية الدولية المحايدة المستقلة المعنية بالمساعدة في التحقيق في أخطر الجرائم في سوريا أنشئت استناداً إلى قناعة بأنه “حتى في أحلك الساعات، يجب الحفاظ على الأدلة، وحماية الحقيقة، ووضع حد للإفلات من العقاب”.
وأوضحت بيربوك أنه بدون المساءلة لصالح الضحايا والناجين لا يمكن أن تتحقق العدالة، ومن دون العدالة لا يمكن أن يسود سلام دائم، مشيرة إلى أن الشعب السوري عانى من أشد الجرائم التي عرفها القانون الدولي، والتي ارتكبها في المقام الأول نظام الأسد البائد ومجموعات أخرى.
وشددت على أن “الضحية تظل ضحية، بغض النظر عن هوية الجاني”، مؤكدة أن الفصل الجديد في سوريا يأتي بمسؤولية لمواجهة الماضي وبناء مستقبل يرتكز على العدالة للجميع.
العدالة بقيادة وملكية سورية
ودعت بيربوك المجتمع الدولي والجمعية العامة إلى دعم الآلية بشكل راسخ “يستند إلى حقوق وكرامة كل سوري، أيا كان دينه أو عرقه أو هويته.
وأكدت أن العدالة يجب أن تكون بقيادة وملكية سورية، مضيفة أنه في حين تبدأ العدالة بجمع الأدلة وإجراء التحقيقات، فإنها “ستظل بلا معنى ما لم تتبعها إجراءات للملاحقة القضائية”.
تقدم ملموس في النهوض بالعدالة الشاملة
وأفاد تقرير الآلية الدولية المحايدة المستقلة الثاني عشر، بأن الانتقال السياسي في سوريا أتاح فرصاً جديدة وفريدة للمساءلة عبر الحوار المباشر مع المؤسسات السورية والهيئات الوطنية المكرسة للعدالة الانتقالية.
وأكدت الآلية في تقريرها، الذي يغطي السنة الأولى الكاملة لعملها بعد سقوط النظام البائد في 8 كانون الأول 2024 أنها حققت تقدماً ملموساً في النهوض بالعدالة الشاملة رغم القيود المتعلقة بالموارد.
وقال رئيس الآلية روبرت بيتي، إن التقدم لم يقتصر على إجراءات الخارج، بل شمل تدابير داخل البلاد عبر عمل مؤسسات جديدة مثل اللجنة الوطنية للعدالة الانتقالية واللجنة الوطنية للمفقودين في التوثيق والتشاور مع الضحايا.
وكشف التقرير أن الآلية تمكنت –لأول مرة منذ إنشائها– من زيارة سوريا والقيام بمهمات شهرية، حيث تطور الحوار مع السلطات خلال عام ٢٠٢٥ من اجتماعات تمهيدية إلى مناقشات جوهرية.
وأضاف بيتي أن خطوة مهمة اتُخذت في شباط 2026 بسماح السلطات للآلية بالتحقيق على الأرض، والوصول إلى منشأة احتجاز عُرفت بارتكاب فظائع فيها؛ للمساعدة في حفظ الأدلة.
واختتم التقرير بتوصيات دعت الحكومة السورية لمواصلة المشاركة البناءة، وطالبت الدول الأعضاء بضمان الدعم المستدام والتمويل؛ لتعزيز فرص المصالحة والسلام والأمن الدائمين في سوريا.


